English| Deutsch| Français| Español

  قد مضى العمر وفات – ياأسير الغفلات – فأغنم العمر وبادر – بالتقى قبل الممات 

الملل والفراغ
المعاناة من ضعف التركيز والعزيمة في إنجاز الأعمال والمهمات

رقم الإستشارة: 253282

أ/ الهنداوي

السؤال
أنا فتاة أعاني من قلة الإصرار عند الإقبال على أمر ما، وأكون متحمسة في البداية، ولكن فترة زمنية معينة أغير رأيي، وأشعر بملل يأتيني في الأيام التي أؤدي فيها صلواتي في وقتها، وبعد فترة أتكاسل، وأعاني أيضاً من قلة التركيز.
إنني أريد أن أتغير، ولا أريد الاستمرار على ما أنا عليه.
وشكراً.

الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإننا نستطيع أن نحصر الأمور التي ذكرتها والتي تعانين منها بثلاثة أمور:
(أ‌) عدم العزيمة على الاستمرار في الأمور التي تقدمين عليها.
(ب‌) التكاسل عن الصلاة (أحياناً).
(ت‌) قلة التركيز الذهني.

ومن تأمل في هذه الثلاثة وجد أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض، فعدم العزيمة على المضي في الأمور النافعة هو نفسه عدم المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وضعف التركيز منشأه من شرود الذهن، وتزاحم الأفكار وكثرة التخيل، وغالباً ما يكون سببه كثرة الهم والقلق والاضطراب النفسي، مضموناً إلى ذلك كثرة الجلوس أمام شاشات التلفاز والحاسوب ونحو ذلك، وخاصة إذا كانت بعض المعروضات محتوية على ما يخالف شرع الله تعالى.

وهذا أيضاً راجع لعدم الالتزام بأمر الله تعالى، وإيضاح ذلك أن عدم المحافظة على طاعة الله، والتي أعظمها على الإطلاق بعد الشهادتين المحافظة على الصلاة، يؤدي إلى خمول النفس، وانسفال الهمة، فإن للمعصية أثراً سيئاً على النفس، حتى إنها تجعل الإنسان مهموماً ولا يدري ما سبب همه، ومضطرباً ولا يدري ما سبب اضطرابه، مع ضيق الصدر والشعور المرير بالوحدة، والسآمة والملل، حتى إن الإنسان في هذه الحالة قد يضحك وهو لا يجد الضحكة الحقيقية، وإذا ما حصل له تجدد حال أو زوال همٍ، فسرعان ما يعود لحالته الأولى من الضيق والهم والغم.

وجميع هذه الأمور قد جعل الله حلّها في يدك، فأنت الآن وبحمده تعالى قادرة على أن تغيري من كل هذه الأمور من سوء إلى حسن، ومن خطأٍ إلى صواب، وأول ما تقومين به هو الإصرار على طاعة الله وعلى المحافظة على هذه الطاعة، وخاصة الصلوات المفروضات، فإن من يضيع الصلاة كان تضييعه لغيرها أشدّ وأكثر، ولذلك فإن قلة عزيمتك على أكثر الأمور التي تواجهك سببها ظاهر، والسبب هو تفريطك في صلاتك حيناً ومراعاتها حيناً آخر، فجاء حالك موافقاً لعملك، فأنت تعزمين حيناً وتتراخين حيناً آخر، وهذا هو عينه الذي بينه عمر رضي الله عنه بقوله: (إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع)، مضموناً إلى ذلك ما يكون يوم القيامة من الحسرة والخسارة والندامة، كما ثبت في معجم الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله).

ولذلك فإن أول ما تسعين به لتغيير حالك هو تغيير هذا التفريط بالصلاة إلى الرعاية الدائمة والمحافظة القائمة، كما قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ))[الرعد:11].

فمتى سعيت في الالتزام الجاد بطاعة الله فستجدين أنك قد صرت صاحبة عزيمة في سائر أمورك، فإن الله ولي الذين آمنوا، فهو يسددهم ويكون معهم، ومن كان الله معه فكيف يخيب ويخسر، كما قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ))[النحل:128]، وقال تعالى: (( وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ))[العنكبوت:69]، وقال جل شأنه: (( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))[المجادلة:22].

وقد بين صلوات الله وسلامه عليه هذا المعنى بقوله: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، أي: احفظ أوامر الله وطاعته يجازيك الله بحفظه في كل حين، واحفظ طاعة الله وحدوده تجد أن الله ييسر لك أمورك، ويزيل عنك كروبك، ويقبل عليك جل وعلا.

فهذا هو الطريق إذن الذي يجمع لك كل خير، ويجعلك الفتاة المؤمنة الموفقة التي يأتيها توفيق الله وأرزاقه من حيث لا تدري، (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ))[الطلاق:2-3].

وأما عن مسألة ضعف التركيز، فهذه تحتاج منك - مع ما تقدم - أن تراعي عدم الإكثار من الجلوس أمام شاشة التلفاز أو الحاسوب إلا بالقدر المناسب الذي لا يضر، لا سيما ما أشرنا إليه في أول الكلام من البعد عن مشاهدة أي مشاهد تخالف الشرع، فإن لذلك تأثيراً عظيماً في تشتيت الذهن وعدم ثباته.

ومن الوسائل أيضاً: المحافظة على التفكير وعدم الانسياق في (أحلام اليقظة)؛ فهذا يحتاج منك إلى مراعاة شرود ذهنك في التخيل والتفكير الطويل، ويدخل في هذا المعنى التوسط في الهموم والمشاكل، فلا تكوني فتاة شديدة التأثر ببعض المشاكل التي قد لا يحتاج منك علاجها إلى كبير هم وقلق.

فعليك بالتوكل على الله تعالى، وبدعائه واللجوء إليه، وعليك بلزوم طاعة الله التي سوف تكون حلاًّ لكل ما تعانينه بإذنه تعالى وحسن توفيقه.

ونسأل الله لك التوفيق والهدى والسداد.