English| Deutsch| Français| Español

  سبحان الله! لا يخفى على سمعه خفي الأنين، ولا يعزب عن بصره حركات الجنين، العظيم في قدره، العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره 

اختبارات الشخصية
سرعة التأثر والبكاء عند التعرض لمواقف تستدعي المواجهة/ مشروعية الاستخارة

رقم الإستشارة: 271597

أ/ الهنداوي

السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
عمري الآن مقبل على الـ 17 وقد بدأت منذ مدة أقلق من مشكلة أعاني منها، وهي أنه إذا واجهتني مشكلة خصوصية وكان فيها نوع من المناقشة ففي الغالب لا أستمر فيها رغم أنه قد تكون فقط دفاعاً عن نفسي، ليس بدافع التخلي عن حقي وإنما لأن دموعي تبدأ بالانسياب دون رغبة مني، فأضطر للسكوت حتى لا يرى أحد دموعي، وأما إذا ظلمت ففي تلك الساعة حدث ولا حرج ... وكذلك إذا تحدث شخص عني وذكرني بشيء مؤلم حصل لي.

إن كل هذه المشاكل ابتدأت بعدما توفي والدي رحمه الله، أي: حينما كنت لا أزال صغيرة، لكني لم أنتبه لها كثيراً.

فهل هذا دليل على ضعف شخصيتي؟ وكيف يمكنني معالجة هذه المشكلة؟

أما مشكلتي الأخرى فهي أني أكره أن أسلم على الضيوف خاصة إذا كانوا غرباء، ففي بعض الأحيان قد أختبئ وقد لا أظهر في البيت، فهل هذا دليل على ضعف في الشخصية؟

وما هو السبيل لتقوية الإيمان وجعله لا يتأثر بالظروف الخارجية؟ وكيف يمكن القيام بصلاة الاستخارة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ السلام عليكم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإن هذه الحالة التي أشرت إليها والتي تسألين: هل هي دالة على ضعف شخصيتك؟ هي حالة راجعة إلى أوضاع قد مرت بك، فأنت قد أشرت إشارةً واضحة إلى أنك تعانين من سرعة دمعتك، وتأثرك الشديد عند المناقشة أو عند حصول الأذية لك أو عند الإحراج ربما، وأن هذا الأمر إنما وقع بعد وفاة والدك رحمه الله تعالى رحمةً واسعة، عندما كنت فتاة صغيرة.

فهذا الأمر هو السبب الواضح، فأنت قد تأثرت بفقدان والدك، والغالب في مثل حالك أن والدك كان رحمه الله تعالى حنوناً صاحب نفسٍ طيبةٍ يحرص على إكرامك وعلى ملاعبتك وعلى القيام على شئونك، وأنك افتقدته افتقاداً عظيماً، فترك ذلك جرحاً في نفسك، فصرت سريعة الدمعة، لا سيما وأنت تشعرين أنك يتيمة قد فقدت والدها في سن مبكرة، فجعل هذا الشعور يتنامى في نفسك حتى صرت سريعة الدمعة، تشعرين وكأنك فقدت من يدافع عنك ومن تلجئين إليه عند حصول الضيق والحرج لك، فهذا هو السر في مثل هذه الأمور التي تقع لك.

وأما عن تقييم ما يحصل لك فهو بحمد الله ليس دالاً على ضعف شخصيتك، ولكنه دالًٌ على أنك سريعة التأثر، بحيث تتأثرين بالكلمة الجارحة، وربما انسابت دموعك كما أشرت، وهذا له خلق يدل عليه، وإن كان متضاداً معه، فأنت وإن كنت سريعة التأثر في أمور الإساءة فكذلك أنت سريعة التأثر في أمور الفرح وأمور الثناء، فإذا أثنى عليك شخصٌ فأنت تشعرين بالسعادة الغامرة وكذلك إذا جاءتك فرحةٌ تفرحين لها وتطربين لها، فهذا أيضاً يقابل هذا الخلق؛ لأن مدار الأمر على سرعة التأثر والشعور اللطيف الذي يتنامى في نفسك، وهذه حالة لا تستدعي بحمد الله خوفاً ولا قلقاً، وليست هي بالمرض النفسي، وإن كانت تحتاج إلى ضبطٍ وإلى معالجة حتى تصل إلى الحد المعتدل بلا تفريط ولا إفراط.

وكذلك ما أشرت إليه من أنك لا تحبين لقاء الناس وربما اختبأت عند ورود بعض الضيوف عليكم، فهذا راجعٌ إلى قلة الاختلاط، وراجعٌ إلى هذا الشعور الذي ربما كنت تشعرين به وأنت صغيرة كنظرات الرحمة التي تنطلق من أعين الناس إذا رأوك فتاةً صغيرة قد فقدت أباها، فهذا الشعور جعلك أيضاً تشعرين بشيءٍ من الحرج وعدم حب لقاء الناس.

والمقصود: أن عليك أن تتلافي هذا الأمر بأن تحرصي على المواجهة، وأن تكون أسلوب المواجهة هي الدواء كما سيأتيك إن شاء الله تعالى في خطوات الحل.

وأما عن خطوات علاج هذا الأمر: فابدئي أولاً بالاستعانة بالله والتوكل عليه، وسؤاله التوفيق في الأخلاق والتوفيق في الأعمال، بل أحسن الأخلاق وأحسن الأعمال، فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقنا سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال لا يقي سيئها إلا أنت) وكان من دعائه العظيم الذي علمه أمته صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم اهدني وسددني، اللهم إني أسألك الهدى والسداد) فاحرصي على الاستعانة بالله والتوكل عليه.

2- الحرص على ضبط مشاعرك، فمثلاً إذا انتقدك إنسان، أو بدأ بتوجيه اللوم لك، فلا تنفعلي انفعالاً شديداً، وحاولي ضبط نفسك، وحاولي أن تتفهمي ما يقوله هذا القائل، وانظري فيه فلعله أصاب في انتقاده، ولعله أخطأ، فإن كان مصيباً كان جوابك هو أن تبيني عذرك إن كان هنالك عذر، وإن لم يكن هنالك عذر بينت له أنك قد أخطأت في حقه، وأنك تطلبين منه العفو عما بدر منك، وإن كنت مظلومة وكان كلامه خطئاً فعليك حينئذٍ أن تدافعي عن نفسك بهدوء ودون انفعال، وأن تبيني أنه قد أخطأ في كلامه، وربما قاطعته أيضاً وقلت له، حتى تبيني عذرك وتبيني له أنه قد أخطأ فيما يقوله.

والمقصود: أن تحاولي تهدئة نفسك وعدم تحميلها ما لا تطيق، وكذلك عدم التأثر الشديد بما قد يقال، فانتبهي إلى أن كلام الناس قد يكون بحق وقد يكون بباطل، وانتبهي أيضاً إلى أن تحصيل رضا الناس غايةٌ لا تدرك، فأنت كسائر الناس، هنالك من ينتقدك وربما من يحسدك، وربما من يحرص على أذيتك، وهنالك بالمقابل من يحرص على إيصال الخير لك، ويتمنى لك الخير والفلاح والسعادة فكوني متعاملةً مع الناس بهذا الميزان الذي سيريحك من هذا العناء، ولست بحاجةٍ إلى أكثر من تعديل النظرة حتى تصلي إلى الخلق الكامل في هذا المعنى، فاستعيني بالله ولا تعجزي.

وأما عن مواجهة أمر الحرج من اللقاء ومن مقابلة الناس، فهذا علاجه بأن تتوكلي على الله جل وعلا كما أشرنا، وأن تواجهي هؤلاء الناس، وأن لا تتهربي منهم، فإذا شعرت برغبةٍ في الاختباء أو رغبة في التلافي في اللقاء، فلا تستسلمي لهذا الشعور، بل اقدمي على الناس وسلمي على أخواتك في الله وخاطبيهن وعينك في أعينهن، ومدي يديك لمصافحتهن، وجالسيهن، ولاطفيهن، وأنت مسرورة، وأنت بعيدةٌ عن القلق أو بعيدةٌ عن الشعور بأن لهم نظرات ينظرون بها إليك، ويقيمون بها تصرفاتك ولكن ليكن همك عند اللقاء هو فهم ما تقولينه، وفهم ما يقال لك، وبذلك تتجنبين مثل هذا الشعور بالحرج الذي قد يكون تولد نتيجة بعض الظروف الاجتماعية التي كنت تمرين بها.

وأما عن سؤالك الكريم عن أسباب تقوية الإيمان، فإن هذا قد أفردناه في جوابٍ خاص وكذلك السؤال عن صلاة الاستخارة فكذلك قد أوردناه في جواب مفصل فيه سرد ما يتعلق بصلاة الاستخارة وما يستحب فيها وكيفيتها وعلاماتها، فعليك بالرجوع إليها، ونسأل الله لك التوفيق والسداد، وأن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأهلاً وسهلاً بك في الشبكة الإسلامية التي ترحب بك وبمراسلتك وبمكاتبتك الكريمة.
---------------------------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ / الهنداوي، ولمزيد من الفائدة يرجى الاطلاع على الاستشارات التالية والتي تدلك على وسائل تقوية الإيمان: ( 244768237831 - 229490 - 17069- 16751

[الاستخارة.. معناها وكيفية أدائها]

فإنه ما ندم من استخار، ولا خاب من استشار، والاستخارة لا تأتي إلا بالخير، والإنسان لا يعرف أين يكون الخير، و(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، أو أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، والاستخارة لا تعني أن الإنسان لا تواجهه صعوبات في حياته أو أزمات في طريقه؛ لأن عظم الجزاء مع عظم البلاء، ومن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط، وأمرُ الله نافذ، وأعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم.

ولكن من فوائد الاستخارة وثمراتها: أن الإنسان لا يندم إذا حدث له مكروه؛ لأنه قد أدى ما عليه وفوض الأمر إلى الله، وسأل العظيم أن يرزقه الرضا بما يقدره له سبحانه، وهو في كل حال مأجور ومعذور؛ لأنه لا يملك تغيير ما قدره الله، فلن يحدث في هذا الكون إلا ما أرداه سبحانه وتعالى وقدره على عباده، وكم من مسلم يتوجه إلى الله فلا تُستجاب دعوته، ولكنه يُؤجر على لجوئه إلى الله، فما من مسلم يدعو الله بدعوةٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يستجيب له دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء والشر مثلها، وإما أن يدخر له من الثواب والأجر مثلها، ورحم الله سلفنا الأبرار الذين كانوا يتوجهون إلى الله فإن أعطاهم شكروه، وإن حُرموا الإجابة كانوا بالمنع راضين، يرجع أحدهم بالملامة على نفسه، فيقول لها: مثلك لا يُجاب، أو لعل المصلحة في أن لا أُجاب، ثم يستغفرون الله ويتوبون إليه، فإنه ما ترك بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ))[الشورى:30].

واعلمي أن اعتياد الاستخارة ليس مشكلة، بل هو نعمة من الله، وليس للاستخارة علاقة بالفشل المتكرر، وتأكدي أنك لا تصلي الاستخارة بعد تحديد هدفك؛ لأن الاستخارة إنما تكون عندما لا يتبين الحق، أما إذا حدد الإنسان ما يريد فإنه يمضي، فبعض الناس يصلي الاستخارة مع أنه حدد رأيه واختار ما يريد قبل الاستخارة، وهذا غير صحيح.

ومعنى الاستخارة هو: أن يطلب العبد من ربه جل وعلا أن يختار له أفضل الأمور وأحسنها وأن ييسرها له، وهذا يكون في حال أن يَهُمَّ المسلم بعمل شيء، فمثلاً إذا أردت القيام بأمر فحينئذ يشرع لك أن تستخيري ربك ومولاك فيه هل تمضي فيه أم لا، فإذا وجدت انشراحاً في صدرك فهذه إشارة إلى صلاح هذا الأمر ومناسبته إياك، وإذا وجدت انقباضاً في صدرك وكراهية لهذا الأمر فهذه إشارة إلى عدم الموافقة عليه، فهذا معنى الاستخارة.. وقد تكون هنالك علامات أخرى بقبول أو رفض الأمر كالرؤيا وغيرها من الإشارات.

وأما كيفية الاستخارة:

فقد أخرج البخاري من حديث جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (وتسمي حاجتك) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (وتسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به). فتصلي ركعتين من غير الفريضة (تطوعاً) إذا أردت أن تقومي بأمر من الأمور، وتقولي هذا الدعاء المذكور في الحديث، وتمضي في حاجتك، فإن كانت خيراً سييسرها الله لك وإن كانت غير ذلك سيصرفها عنك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قسم الاستشارات