اعتبار خواتيم الأعمال يشمل جميع أصناف الناس

9-7-2019 | إسلام ويب

السؤال:
سؤالي هو: كيف يدخل الكفار الجنة بعد إسلامهم، وقد قضو حياتهم وهم يشربون الخمر، ويزنون، ويفعلون جميع المحرمات. كما نرى مع بعض المشاهير؟ وأين هي العدالة الإلهية؟ وهل هم مفضلون على العرب المسلمين. أرجوكم أفيدونا.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا وجه لادعاء التفضيل المشار إليه في آخر السؤال!! فاعتبار خواتيم الأعمال يعم الجميع، العرب والعجم، الطائع والعاصي، المسلم وغير المسلم، فالعربي المسلم إذا عاش عاصيا غارقا في الكبائر ثم تاب، اعتبرت خاتمته، وكذلك من يرتد عن دينه ويموت على الكفر، وكذلك الكافر إذا أسلم ومات على الإسلام.

فالمعتبر في الكل هو الخاتمة. قال الباجي في المنتقى شرح الموطإ: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله ربه الجنة" وفي أهل النار: "حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله ربه النار" يقتضي أن آخر الإنسان أحق به، وعليه يجازى. اهـ.

وقد سبق لنا بيان وجه ذلك في الفتوى: 34264. كما سبق لنا في الفتوى: 53431 بيان أن تبديل السيئات حسنات ليس خاصاً بالكافر إذا أسلم، وإنما يشمل كذلك المسلم العاصي إذا تاب.

وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: في تغييب الله عن عباده خواتيم أعمالهم حكمة بالغة وتدبير لطيف، وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله لدخل الإعجاب والكسل من علم أنه يختم له بالإيمان، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيا وطغيانا وكفرا، فاستأثر الله تعالى بعلم ذلك ليكون العباد بين خوف ورجاء، فلا يعجب المطيع لله بعمله، ولا ييأس العاصي من رحمته، ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله والافتقار إليه. اهـ. وانظر لمزيد الفائدة الفتوى: 122280.

هذا؛ مع التنبيه على أن ما ذكره السائل لا يتعلق بعدل الله تعالى في حقيقة الأمر! وإنما هو فضل الله، وليس عدله. فالظلم الذي يناقض العدل هو أن يؤاخذ المرء بسيئات غيره، أو يضيع عليه ثواب عمله! وكلا الأمرين منفيان في كتاب الله تعالى، فلا يجازى المرء إلا بعمله، ولا يؤاخذ إلا بكسبه، ولا يضيع عليه شيء من ثوابه، كما قال سبحانه: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164] وقال عز وجل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: 18] وقال تعالى: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [النجم: 38 - 41].

وفي الجانب الآخر يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] ويقول سبحانه: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30] ويقول تبارك وتعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 171]. ويقول تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: 195] ويقول عز من قائل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: 112].

قال الماوردي في النكت والعيون: فيه وجهان:
أحدهما: فلا يخاف الظلم بالزيادة في سيئاته، ولا هضماً بالنقصان من حسناته. قاله ابن عباس والحسن وقتادة.
الثاني: لا يخاف ظلماً بأن لا يجزى بعمله، ولا هضماً بالانتقاص من حقه. قاله ابن زيد. اهـ.

فهذا هو العدل، وأما الفضل فباب آخر، كأن يضاعف الله أجر أحد على غيره، دون أن يُنقِص هذا الغير من أجره شيئا. وكأن يعفو الله تعالى عن أحد ويؤاخذ غيره بجريرته. فهذا لا يتعلق بتحقيق العدل، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ومثال ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا؟ قال: قال الله عز وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء. متفق عليه.

والله أعلم.

www.islamweb.net