الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى : ( إذا مات محرم لم يقرب مطيب ولم يلبس المخيط ولم يخمر رأسه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تقربوه طيبا ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا } وإن ماتت معتدة عن وفاة ، ففيه وجهان ( أحدهما ) : لا تقرب الطيب لأنها ماتت والطيب يحرم عليها ، فلم يسقط تحريمه بالموت كالمحرمة ( والثاني ) : تقرب الطيب ; لأنه حرم عليها في العدة حتى لا يدعو ذلك إلى نكاحها وقد زال هذا المعنى بالموت ) .

                                      [ ص: 166 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم رحمهما الله ، وسبق بيانه في أول الباب ، قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إذا مات المحرم والمحرمة حرم تطييبه ، وأخذ شيء من شعره أو ظفره وحرم ستر رأس الرجل وإلباسه مخيطا ، وعقد أكفانه ، وحرم ستر وجه المحرمة ، وكل هذا لا خلاف فيه ، ويجوز إلباس المرأة القميص والمخيط ، كما في الحياة ، ولو قال المصنف : يجب تجنيبه ما يجب عليه اجتنابه في حياته لكان أحسن ، بل هو الصواب الذي لا بد منه .

                                      [ ص: 165 ] قال الشافعي رحمه الله في الأم : ولا يعقد على الرجل ثوب ، ولا يلبس قميصا ولذا قال الشيخ أبو حامد والمحاملي والجرجاني والأصحاب : لا يعقد عليه ثوب كما لا يلبس قميصا في الحياة ، ، وهذا لا خلاف فيه ، وهو جار على القاعدة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى في باب الإحرام ، أنه يحرم عليه عقد الرداء ولا يحرم عقد الإزار ، وهذا الذي ذكرناه من تحريم الطيب سواء فيه الرجل والمرأة ، كما ذكرنا ، وسواء الطيب في بدنه وأكفانه ، والماء الذي يغسل به ، وهو الكافور ، فكله حرام . ونقل القاضي أبو الطيب في كتابه " المجرد " أن الشافعي نص في الجامع الكبير أنه لا يطرح الكافور في مائه ، واتفق الأصحاب عليه ، وأما التجمير وهو التبخير عند غسله فلا بأس به ، كما لا يمنع المحرم من الجلوس عند العطار ، قال أصحابنا : فإن طيبه إنسان أو ألبسه مخيطا عصى الفاعل ولا فدية عليه . كما لو قطع طرفا من أطراف الميت عصى ولا غرم عليه .



                                      وأما إذا ماتت معتدة محدة فهل يحرم تطييبها ؟ فيه وجهان : ذكر المصنف دليلهما ( أحدهما ) : وهو قول أبي إسحاق المروزي : يحرم ( والثاني ) : وهو . الصحيح باتفاق الأصحاب : لا يحرم ، قال المتولي : هو قول عامة أصحابنا إلا أبا إسحاق المروزي ، قال الماوردي والمحاملي في التجريد : وليست مسألة المعتدة منصوصة للشافعي رحمه الله ، وقول المصنف معتدة عن وفاة ، يحترز به معتدة رجعية وغيرها ممن لا حداد عليها ، وأما البائن فإن قلنا بالضعيف من القولين أن عليها الإحداد فهي كالمتوفى عنها ، فيكون فيها الوجهان ، ولو قال المصنف : معتدة حادة أو محدة كما ذكرناه وقاله غيره ، لكان أحسن وأعم ، لتدخل البائن على القول الضعيف وكأنه ترك هذا القول لضعفه فلم يحترز عنه .



                                      ( فرع ) قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : هل يبطل صوم الإنسان بالموت ؟ كما تبطل صلاته به أم لا تبطل كما لا يبطل حجه ؟ بل يبقى حكمه ويبعث يوم القيامة ملبيا ؟ فيه وجهان لأصحابنا : والأصح : بطلانه وهو ظاهر كلام الأصحاب .



                                      [ ص: 166 ] فرع ) في مذاهب العلماء في غسل المحرم وتكفينه قد ذكرنا أن مذهبنا تحريم تطييبه وإلباسه مخيطا وستر رأسه . وبه قال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وعطاء والثوري وأحمد وإسحاق وداود وابن المنذر . وقالت عائشة وابن عمر وطاوس والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك : يطيب ويلبس المخيط كسائر الموتى . دليلنا الحديث المذكور .



                                      ( فرع ) في مسائل تتعلق بالباب إحداها إذا نبش القبر وأخذ الكفن قال صاحب التتمة يجب تكفينه ثانيا سواء كفن من ماله أو من مال من عليه نفقته أو من بيت المال ; لأن العلة في المرة الأولى الحاجة وهي موجودة . وقال صاحب الحاوي : إذا كفن من ماله ثم اقتسم الورثة التركة . ثم نبش وسرق الكفن وترك عريانا استحب للورثة أن يكفنوه ثانيا ولا يلزمهم ذلك ; لأنه لو لزمهم ثانيا للزمهم إلى ما لا يتناهى ، ولوكفن ثم أكله سبع واستغنى عن كفنه فلمن يكون الكفن ؟ فيه تفصيل وخلاف يأتي إن شاء الله في باب السرقة حيث ذكره المصنف .



                                      ( الثانية ) : قال الصيمري وغيره : لا يستحب أن يعد الإنسان كفنا ; لئلا يحاسب عليه ، وهذا الذي قاله صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء ، أو العباد ، ونحو ذلك ، فإن ادخاره حينئذ حسن ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه بردة فطلبها رجل منه فأعطاه إياها فقال له الصحابة : ما أحسنت سألته وعلمت أنه لا يرد ، قال : إني والله ما سألته لألبسه ، إنما سألته ليكون كفني ، قال سهل : فكانت كفنه } " .



                                      ( الثالثة ) ذكرنا أن مذهبنا استحباب تكفين البالغ والصبي في ثلاثة أثواب وبه قال جمهور العلماء ، قال ابن المنذر : وكان سويد بن غفلة يكفن [ ص: 167 ] في ثوبين ، قال : وقال أبو حنيفة النعمان : يكفن في ثوبين ، وكان ابن عمر يكفن في خمسة . ( وأما ) الصبي فقال ابن المنذر : قال ابن المسيب يكفن في ثوب ، وقال أحمد وإسحاق في خرقة ، فإن كفن في ثلاثة فلا بأس ، وعن الحسن وأصحاب الرأي ثوبين ، واختار ابن المنذر ثلاثة .



                                      ( وأما ) المرأة فذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب تكفينها في خمسة أثواب ، قال ابن المنذر : وبه قال أكثر العلماء ، منهم الشعبي وابن سيرين والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وقال عطاء ثلاثة أثواب درع وثوب تحته ولفافة فوقهما وقال سليمان بن موسى : درع وخمار ولفافة .




                                      الخدمات العلمية