الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال لي بعض من يخالفنا في اليمين مع الشاهد قال الله عز وجل { ذوي عدل منكم } وقال { شهيدين من رجالكم } فكيف أجزتم أقل من هذا ؟ فقلت له لما لم يكن في التنزيل أن لا يجوز أقل من شاهدين ، وكان التنزيل محتملا أن يكون الشاهدان تامين في غير الزنا ويؤخذ بهما الحق لطالبه ولا يمين عليه ، ثم وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيز اليمين مع الشاهد لصاحب الحق ويأخذ حقه ووجدت المسلمين يجيزون شهادة أقل من شاهدين ويعطون بها دلت السنة وعمل المسلمين على أن قول الله عز وجل ، { شهيدين من رجالكم } ليس محرما أن يجوز أقل منه والله تعالى أعلم ، ونحن نسألك فإن قلت بمثل قولنا لزمك أن ترجع إلى اليمين مع الشاهد وإن خالفته لزمك أن تترك عامة قولك وإن تبين لك أن ما قلت من هذا ونجلتنا على غير ما قلت وأنك أولى بما نجلتنا من الخطإ في القرآن منا قال فسل ، فقلت حد لي كل حكم في { شهيدين من رجالكم } قال أن يجوز فيؤخذ به الحق بغير يمين من الطالب قلت وماذا قال وفيه تحريم أن يؤخذ الحق بأقل منه ؟ قلت وما الشاهدان من رجالنا ؟ قال حران مسلمان عدلان قلت له فالاثنان ذوي عدل كما وصفت يجوزان ومحرم أن يجوز إلا ما زعمت ووصفت أنهم شرطوا في الكتاب ؟ قال : نعم قلت فلم أجزت أهل الذمة فيما بينهم .

والآيتان بينتان أنهما [ ص: 17 ] في المؤمنين وإنما قلت في الأحرار المؤمنين خاصة بتأول ونحن بالآيتين لا نجيز شهادة أهل الذمة فيما بينهم ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فرجع بعضهم إلى قولنا فقال لا تجوز شهادة أهل الذمة .

وقال : القرآن يدل على ما قلتم وأقام أكثرهم على إجازتها فقلت له : لو لم يكن عليكم حجة فيما ادعيتم في الآيتين إلا إجازة شهادة أهل الذمة كنتم محجوجين ليس لكم أن تتأولوا على أحد ما قلتم ; لأنكم خالفتموه وكنتم أولى بخلاف ظاهر ما تأولتم من غيركم .

قال فإنما أجزنا شهادة أهل الذمة بآية أخرى ، قلنا وما هي ؟ قال قول الله عز وجل { حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ، أو آخران من غيركم } فقلت له : أناسخة هذه الآية عندك ل { شهيدين من رجالكم } ، أو منسوخة بها ؟ قال ليست بناسخة ولا منسوخة ، ولكن كل فيما نزل فيه : قلت فقولك إذا لا يجوز إلا الأحرار المسلمون ليس كما قلت ، قال فأنت تقول بهذا ؟ قلت : لست أقول به ، بل سمعت من أرضى يقول فيه غير ما قلت ، قال فإنا نقول هي في المشركين فقلت فقل هي في جماعة المشركين أهل الأوثان وغيرهم ; لأن كلهم مشرك وأجز شهادة بعضهم لبعض ، قال : لا قلت ، فمن قال هي في أهل الكتاب خاصة .

أرأيت إن قال قائل أجيز شهادة أهل الأوثان دون أهل الكتاب ; لأن أهل الأوثان لم يبدلوا كتابا إنما وجدوا آباءهم على ضلال فتبعوهم وأهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله عز وجل وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله .

فلما بان لنا أن أهل الكتاب عمدوا الكذب على الله لم تكن شهادتهم جائزة ، فأخبرنا الله عز وجل أنهم كذبة وإذ كنا نبطل الشهادة بالكذب على الآدميين كانوا هم أولى فإذا تقول له ما أعلمه إلا أحسن مذهبا وأقوى حجة منك ، قلت له أفتجيز شهادة أهل الذمة على وصية مسلم اليوم كما زعمت أنها في القرآن ؟ قال : لا قلت ولم قال هي منسوخة قلت بماذا قال بقوله { ذوي عدل منكم } قلت وما نسخ لم يعمل به وعمل بالذي نسخه قال نعم قلت فقد زعمت بلسانك أنك خالفت القرآن إذ زعمت أن الله شرط أن لا يجوز إلا مسلم وأجزت كافرا ، وإذا نسخت فيما زعمت أنها نزلت فيه أفتثبت في غير ما نزلت فيه ؟ قال : لا قلت فما الحجة في إجازة شهادة أهل الذمة قال إن شريحا أجازها فقلت له أنت تزعم أنها منسوخة بقول الله عز وجل { ذوي عدل منكم } ، أو { شهيدين من رجالكم } يعني المؤمنين ، ثم تخالف هذا .

قال فإن شريحا أعلم مني : قلت فلا تقل هي منسوخة إذا قال فهل يخالف شريحا غيره ؟ قلت : نعم سعيد بن المسيب وابن حزم وغيرهما وفي كتاب الله الحجة التي هي أقوى من هذا وقلت له تخالف أنت شريحا فيما ليس فيه كتاب ولا له فيه مخالف مثله قال إني لأفعل قلت له وكيف تحتج به على الكتاب وعلى ما له فيه مخالف وأنت تدع قوله لرأي نفسك ؟ فقال أجزت شهادتهم للرفق بهم لئلا تبطل حقوقهم إن لم نجز شهادتهم بينهم .

فقلت له نحن لم نبطل حقوقهم فيما بينهم لهم حكام لم يزالوا يتراضون بهم لا ندخل في أمرهم فإن أرادوا دخولنا في أحكامهم لم ندخل إلا بما أمرنا الله تعالى به من إجازة شهادة من أمرنا من المسلمين وقلت له : أرأيت إذا اعتللت بالرفق بهم لئلا تبطل حقوقهم فالرفق بالمسلمين يلتعن ، أو الرفق بهم ؟ ( قال ) : بل الرفق بالمسلمين .

قلت له : ما تقول في عبيد عدول مأمونين كانوا بموضع في صناعة ، أو على حفظ مال فشهد بعضهم لبعض في دم ، أو مال ؟ قال لا تجوز شهادتهم قلت : فما تقول في أهل البحر ، والأعراب الأحرار المسلمين لا يخالطهم غيرهم إذا لم نجد من يعدلهم من أهل العدل فشهد بعضهم لبعض في دم ، أو مال ؟ قال لا تجوز [ ص: 18 ] شهادتهم قلت فإذا لم تجزها بطلت حقوقهم بينهم ( قال ) : وإن بطلت ، فأنا لم أبطلها وإنما أمرت بأخذ الحق بالعدول الأحرار فإذا كانوا عدولا غير أحرار فقد نقصوا أحد الشرطين ، أو كانوا أحرارا لا يعرف عدلهم فقد نقصوا أحد الشرطين قلت والشرط الثالث مؤمنين ؟ قال نعم : قلت فقد نقص أهل الكتاب أعظم الشروط الإيمان وأجزت شهادتهم ونقص العبيد ، والأحرار أقل الشروط فرددت شهادتهم وفيهم شرطان ولم إذا اعتللت بالرفق بهم لم ترفق بالمسلمين فتجيز شهادة بعضهم على بعض فالعبيد العدول لو عتق أحدهم اليوم جازت شهادته وأهل الذمة لو أسلموا لم تقبل شهادتهم حتى نختبر إسلامهم بعد مدة تطول ، والمسلمون أولى بأن نرفق بهم ونحتاط لهم في أن لا نبطل حقوقهم من المشركين ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فما زاد على أن قال هكذا قال أصحابنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية