الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات : الأولى : من جهة دلالة النص القولي أو الفعلي الصريح .

                                                                                                                                                                                                                                      الثانية : من جهة صناعة علم الحديث ، والأصول .

                                                                                                                                                                                                                                      الثالثة : من جهة أقوال أهل العلم فيها ، أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة وأتباعهم ، وجل الصحابة ، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد ، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأما من جهة نص صريح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله فلم يثبت من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة ، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتة ، وأن النبي حلفه ما أراد إلا واحدة ، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى . وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها ؟ قال : " لا ، كانت تبين منك ، وتكون معصية " .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 140 ] وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني ، وشعيب بن زريق الشامي ، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم ، وأن شعيبا المذكور قال فيه ابن حجر في " التقريب " : صدوق يخطئ ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في " الصحيح " من أنه قال : وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك ، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا سيما على قول الحاكم : إنه مرفوع ويعتضد بالحديث المذكور قبله ; لتحليفه ركانة وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني ، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح ، في لعان عويمر وزوجه ، ولا سيما رواية فأنفذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني الثلاث المجتمعة وببقية الأحاديث المتقدمة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا وأن بعضها يشد بعضا فيصلح المجموع للاحتجاج . ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم ، كحديث ركانة المتقدم . وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته ، فإذا حققت أن المروي باللفظ الصريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة ، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة ; لأنه ليس فيه آية ذكر الثلاث المجتمعة ، وأحرى آية تصرح بعدم لزومها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى : وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [ 65 \ 1 ] ، قالوا معناه : أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه ; لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع ، لم يقع طلاقه إلا رجعيا ، فلا يندم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة ، وأن ذلك داخل في معنى الآية وهو واضح جدا ، فاتضح أنه ليس في كتاب الله ولا في صريح قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث .

                                                                                                                                                                                                                                      أما من جهة صناعة علم الحديث ، والأصول ، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع ; لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح . ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة [ ص: 141 ] بعد " لثلاث " ، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد ، وقد قدمنا أيضا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح ، وأنه لا وجه للفرق بينهما ، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح ، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج . وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة ، فلا دليل إذن في حديث طاوس عن ابن عباس على محل النزاع ، فإن قيل : أنتم تارة تقولون : إن حديث ابن عباس منسوخ ، وتارة تقولون : ليس معناه أنها بلفظ واحد ، بل بألفاظ متفرقة ، فالجواب أن معنى كلامنا : أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين كونها بلفظ واحد ، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد ، فجعلها واحدة منسوخ هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة . والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية