الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      تنبيه

                                                                                                                                                                                                                                      الدم أصله دمي ، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ، ولم تعوض عنها شيئا ، وأعربتها على العين ، ولامه ترجع عند التصغير ، فتقول : دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة ، وترجع أيضا في جمع التكسير ، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة ، وربما ثبتت أيضا في التثنية ، ومنه قول سحيم الرياحي : [ الوافر ]

                                                                                                                                                                                                                                      ولو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين



                                                                                                                                                                                                                                      وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع ، والوصف في حالة الاشتقاق منه فتقول : في الماضي دميت يده كرضي ، ومنه قوله : [ الرجز ]

                                                                                                                                                                                                                                      هل أنت إلا إصبع دميت     وفي سبيل الله ما لقيت



                                                                                                                                                                                                                                      وتقول في المضارع : يدمى بإبدال الياء ألفا كما في يرضى ، ويسعى ، ويخشى ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]

                                                                                                                                                                                                                                      ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما



                                                                                                                                                                                                                                      وتقول في الوصف : أصبح جرحه داميا ، ومنه قول الراجز : [ الراجز ]

                                                                                                                                                                                                                                      نرد أولاها على أخراها     نردها دامية كلاها



                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 61 ] والتحقيق أن لامه أصلها ياء ، وقيل أصلها : واو وإنما أبدلت ياء في الماضي ; لتطرفها بعد الكسر كما في قوي ، ورضي ، وشجي ، التي هي واويات اللام في الأصل ; لأنها من الرضوان ، والقوة ، والشجو .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعضهم : الأصل فيه دمى بفتح الميم ، وقيل : بإسكانها ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ) ، لم يبين هنا سبب اضطراره ، ولم يبين المراد بالباغي والعادي ، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة ، وهي الجوع وهو قوله : ( فمن اضطر في مخمصة ) [ 5 \ 3 ] وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم ، وذلك في قوله : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ) . والمتجانف : المائل ، ومنه قول الأعشى : [ الطويل ]


                                                                                                                                                                                                                                      تجانف عن حجر اليمامة ناقتي     وما قصدت من أهلها لسوائكا



                                                                                                                                                                                                                                      فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم ، وهذا غاية ما يفهم منها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : الإثم الذي تجانف إليه الباغي : هو الخروج على إمام المسلمين ، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام ، والإثم الذي تجانف إليه العادي : هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين ، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله . ا ه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره ، وعليه فهو كالتأكيد لقوله : ( فمن اضطر ) [ 2 \ 173 ] ، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام الأكل من الميتة ، وإن خافا الهلاك ما لم يتوبا ، وعلى الثاني يجوز لهما لقاطع الطريق والخارج على الإمام الأكل من الميتة ، وإن خافا الهلاك ما لم يتوبا ، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك ، وإن لم يتوبا .

                                                                                                                                                                                                                                      ونقل القرطبي عن قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة أن المعنى ( غير باغ ) أي : في أكله فوق حاجته ( ولا عاد ) ، بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها .

                                                                                                                                                                                                                                      ونقل أيضا عن السدي أن المعنى ( غير باغ ) في أكلها شهوة وتلذذا ( ولا عاد ) [ ص: 62 ] باستيفاء الأكل إلى حد الشبع .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال القرطبي أيضا ، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما : المعنى ( غير باغ ) على المسلمين ، ( ولا عاد ) عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق ، والخارج على السلطان ، والمسافر في قطع الرحم ، والغارة على المسلمين ، وما شاكله ، وهذا صحيح ; فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد ، يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الله تعالى : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) [ 24 \ 33 ] وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد ، والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له ؛ أي : في طلبها ، ومنه قول الشاعر : [ مرفل الكامل ]

                                                                                                                                                                                                                                      لا يمنعنك من بغا ء     الخير تعقاد الرتائم



                                                                                                                                                                                                                                      إن الأشائم كالأيا     من والأيامن كالأشائم



                                                                                                                                                                                                                                      وذكر القرطبي عن مجاهد : أن المراد بالاضطرار في هذه الآية : الإكراه على أكل المحرم ، كالرجل يأخذه العدو ، فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى ، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد قدمنا أن آية ( فمن اضطر في مخمصة ) [ 5 \ 3 ] ، مبينة لذلك ، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) [ 16 \ 106 ] بطريق الأولى ، وحديث : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية