الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في حكم القراض الفاسد

واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل . واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال :

أحدها : أنه يرد جميعه إلى قراض مثله ، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك ، وهو قوله وقول أشهب .

والثاني : أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله ، وبه قال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك ، وحكى عبد الوهاب أنها رواية عن مالك .

والثالث : أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه ، وإنما له الأقل مما سمى ، أو من قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على المقارض ، أو الأكثر من قراض مثله ، أو من الجزء الذي سمى له إن كان المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض ، وهذا القول يتخرج رواية عن مالك .

والرابع : أنه يرد إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس [ ص: 593 ] ينفرد أحدهما بها عن صاحبه ، وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في المال ، وفي كل قراض فاسد من قبل الغرر والجهل ، وهو قول مطرف ، وابن نافع ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ، واختاره ابن حبيب .

وأما ابن القاسم فاختلف قوله في القراضات الفاسدة ، فبعضها وهو الأكثر قال : إن فيها أجرة المثل ، وفي بعضها قال : فيها قراض المثل .

فاختلف الناس في تأويل قوله : فمنهم من حمل اختلاف قوله فيها على الفرق الذي ذهب إليه ابن عبد الحكم ، ومطرف ، وهو اختيار ابن حبيب ، واختيار جدي رحمة الله عليه . ومنهم من لم يعلل قوله ، وقال : إن مذهبه أن كل قراض فاسد ففيه أجرة المثل إلا تلك التي نص فيها قراض المثل وهي سبعة : 1 - القراض بالعروض . 2 - والقراض بالضمان . 3 - والقراض إلى أجل . 4 - والقراض المبهم . 5 - وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركا . 6 - وإذا اختلف المتقارضان ، وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما . 7 - وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به إلا بالدين فاشترى بالنقد ، أو على أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة فاشترى غير ما أمر به .

وهذه المسائل يجب أن ترد إلى علة واحدة ، وإلا فهو اختلاف من قول ابن القاسم ، وحكى عبد الوهاب ، عن ابن القاسم أنه فصل ، فقال : إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل ، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل ، والأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس . والفرق بين الأجرة وقراض المثل أن الأجرة تتعلق بذمة رب المال ، سواء كان في المال ربح ، أو لم يكن ، وقراض المثل هو على سنة القراض إن كان فيه ربح كان للعامل منه ، وإلا فلا شيء له .

التالي السابق


الخدمات العلمية