الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال بعده : ( تبارك الله رب العالمين ) والبركة لها تفسيران :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : البقاء والثبات .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : كثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة .

                                                                                                                                                                                                                                            وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه ، فإن حملته على الثبات والدوام ، فالثابت والدائم هو الله تعالى لأنه الموجود الواجب لذاته العالم لذاته القائم بذاته الغني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنهى الافتقارات وهو غني عن كل ما سواه [ ص: 98 ] في جميع الأمور .

                                                                                                                                                                                                                                            وأيضا إن فسرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى ؛ لأن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا هو ، وكل ما سواه ممكن ، وكل ممكن فلا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وكل الخيرات منه وكل الكمالات فائضة من وجوده وإحسانه ، فلا خير إلا منه ولا إحسان إلا من فيضه ، ولا رحمة إلا وهي حاصلة منه ، فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه ، لا جرم كان الثناء المذكور بقوله : ( فتبارك الله رب العالمين ) لا يليق إلا بكبريائه وكمال فضله ونهاية جوده ورحمته .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه يحتمل وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أنا قد دللنا في هذا الكتاب العالي الدرجة أن الأجسام متماثلة ، ومتى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخير الشديد والتأثير القاهر والتدبيرات العجيبة ، في العالم العلوي والسفلي ، لا بد وأن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات وهذه الأحوال ، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص ، عن قدرة المدبر الحكيم ، الرحيم العليم .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن يقال : أن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيرا خاصا بطيئا من المغرب إلى المشرق وسيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك الأعظم ، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب ، فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر والقسر .

                                                                                                                                                                                                                                            ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر العرش بقوله : ( ثم استوى على العرش ) رتب عليه حكمين :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : قوله : ( يغشي الليل النهار ) تنبيها على أن حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : قوله : ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) تنبيها على أن الفلك الأعظم الذي هو العرش يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب ، وأنه تعالى أودع في جرم العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب وتحريكها على خلاف مقتضى طبائعها ، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها والعلم عند الله .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن أجسام العالم على ثلاثة أقسام ، منها ما هي متحركة إلى الوسط وهي الثقال . ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الخفاف . ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية ، فإنها مستديرة حول الوسط ، فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ولا إليه ، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره ، حيث خص كل واحد من هذه الأجسام بخاصة معينة وصفة معينة وقوة مخصوصة ، فلهذا السبب قال : ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أن الثوابت تتحرك في كل ستة وثلاثين ألف سنة دورة واحدة ، فهذه الحركة تكون في غاية البطء . ثم ههنا دقيقة أخرى وهي أن كل كوكب من الكواكب الثابتة كلما كان أقرب إلى المنطقة كانت حركته أسرع ، وكلما كان أقرب إلى القطب كانت حركته أبطأ ، فالكواكب التي تكون في غاية القرب من القطب ، مثل كوكب الجدي وهو الذي تقول العوام إنه هو القطب ، يدور في دائرة في غاية الصغر ، وهو إنما يتمم تلك الدائرة الصغيرة جدا في مدة ستة وثلاثين ألف سنة .

                                                                                                                                                                                                                                            فإذا تأملت علمت أن تلك الحركة بلغت في البطء إلى حيث لا توجد حركة في العالم تشاركها في البطء ، فذلك الكوكب اختص بأبطأ حركات هذا العالم ، وجرم الفلك الأعظم اختص بأسرع حركات العالم ، وفيما بين هاتين الدرجتين درجات لا نهاية لها في البطء والسرعة ، وكل واحد من الكواكب والدوائر والحوامل والممثلات يختص بنوع من تلك الحركات ، وأيضا فلكل واحد من تلك الكواكب مدارات [ ص: 99 ] مخصوصة ، فأسرعها هو المنطقة ، وكل ما كان أقرب إليه فهو أسرع حركة مما هو أبعد منه . ثم إنه سبحانه رتب مجموع هذه الحركات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها سببا لحصول المصالح في هذا العالم ، كما قال في أول سورة البقرة : ( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ) [البقرة : 29] أي سواهن على وفق مصالح هذا العالم ( وهو بكل شيء عليم ) ، أي هو عالم بجميع المعلومات . فيعلم أنه كيف ينبغي ترتيبها وتسويتها حتى تحصل مصالح هذا العالم ، فهذا أيضا نوع عجيب في تسخير الله تعالى هذه الأفلاك والكواكب ، فتكون داخلة تحت قوله : ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) .

                                                                                                                                                                                                                                            وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال : إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم ، وذلك على خلاف المعتاد! فيقال لهذا المسكين : إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته ، وتقريره من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض ، وتعاقب الليل والنهار ، وكيفية أحوال الضياء والظلام ، وأحوال الشمس والقمر والنجوم ، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى ، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أنه تعالى قال : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) [ق : 6] فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ، ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها .

                                                                                                                                                                                                                                            والثالث : أنه تعالى قال : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [غافر : 57] فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السماوات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس ، ثم إنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [الذاريات : 21] فما كان أعلى شأنا وأعظم برهانا منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب .

                                                                                                                                                                                                                                            والرابع : أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السماوات والأرض فقال : ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ) [آل عمران : 191] ولو كان ذلك ممنوعا منه لما فعل .

                                                                                                                                                                                                                                            والخامس : أن من صنف كتابا شريفا مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق ، فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان : منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين ، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين ، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى .

                                                                                                                                                                                                                                            وأيضا فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل .

                                                                                                                                                                                                                                            إذا ثبت هذا فنقول : من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث ، وكل محدث فله محدث ، فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريا مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر ، فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات . فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه [ ص: 100 ] الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل الله العون والعصمة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : الأمر المذكور في قوله : ( مسخرات بأمره ) قد فسرناه بما سبق ذكره ، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر الكلام ، ونظيره في قوله تعالى : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [فصلت : 11] وقوله : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [النحل : 40] ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الثاني الذي هو الكلام ، وقال : إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ذكر النجوم ، والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلهما سببا لعمارة هذا العالم ، والاستقصاء في تقريره لا يليق بهذا الموضع ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، والشمس تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في الترطيب ، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم إنه تعالى خص كل كوكب بخاصة عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى ، وجعله معينا لهما في تلك التأثيرات ، والمباحث المستقصاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان ، والقمر كالنائب ، وسائر الكواكب كالخدم ، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه بذكر الشمس وثنى بالقمر ثم أتبعه بذكر سائر النجوم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية