الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى : ( و [ أما ] إذا كانت النافلة في الحضر لم يجز أن يصليها إلى غير القبلة ، وقال أبو سعيد الإصطخري : يجوز ; لأنه إنما رخص في السفر حتى لا ينقطع عن التطوع وهذا موجود في الحضر ، والمذهب الأول ; لأن الغالب من حال الحضر اللبث والمقام فلا مشقة عليه [ في استقبال القبلة ] ) .

                                      [ ص: 221 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) في تنفل الحاضر أربعة أوجه ( الصحيح ) المنصوص الذي قاله جمهور أصحابنا المتقدمين : لا يجوز للماشي ولا للراكب ، بل لنافلته حكم الفريضة في كل شيء غير القيام ، فإنه يجوز التنفل قاعدا ( والثاني ) قاله أبو سعيد الإصطخري يجوز لهما ، قال القاضي حسين وغيره : وكان أبو سعيد الإصطخري محتسب بغداد ويطوف في السكك وهو يصلي على دابته :

                                      ( والثالث ) يجوز للراكب دون الماشي حكاه القاضي حسين ; لأن الماشي [ ص: 220 ] يمكنه أن يدخل مسجدا بخلاف الراكب ( والرابع ) يجوز بشرط استقبال القبلة في كل الصلاة ، قال الرافعي : هذا اختيار القفال .



                                      ( فرع ) في مسائل تتعلق بالباب .

                                      ( إحداها ) شرط جواز التنفل في السفر ماشيا وراكبا أن لا يكون سفر معصية ، وكذا جميع رخص السفر شرطها أن لا يكون سفر معصية ، وقد سبق بيانه في باب مسح الخف وسنبسطه إن شاء الله تعالى في باب صلاة المسافر .



                                      ( الثانية ) يشترط أن يكون ما يلاقي بدن المصلي على الراحلة وثيابه من السرج والمتاع واللجام وغيرها طاهرا ، ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة أو كان على السرج نجاسة فسترها وصلى عليه لم يضر ، ولو أوطأها الراكب نجاسة لم يضر أيضا على الصحيح من الوجهين ; لأنه لم يباشر النجاسة ولا حمل ما يلاقيها ، وبهذا الوجه قطع إمام الحرمين والغزالي والمتولي وآخرون . قال القاضي حسين والمتولي : ولو دمي فم الدابة وفي يده لجامها فهو كما لو صلى وفي يده حبل طاهر طرفه على نجاسة ، وقد سبق بيانه ، ولو وطئ المتنفل ماشيا على نجاسة عمدا بطلت صلاته . قال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما : ولا يكلف أن يتحفظ ويتصون ويحتاط في المشي ; لأن الطريق يغلب فيها النجاسة ، والتصون منها عسر فمراعاته تقطع المسافر عن أغراضه ، قال إمام الحرمين : ولو انتهى إلى نجاسة يابسة لا يجد عنها معدلا فهذا فيه احتمال ، قال : ولا شك لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته ، وإن لم يتعمد ; لأنه يصير حامل نجاسة .



                                      ( الثالثة ) يشترط ترك الأفعال التي لا يحتاج إليها فإن ركض الدابة للحاجة فلا بأس ، وكذا لو ضربها أو حرك رجله لتسير فلا بأس إن كان لحاجة ، قال المتولي فإن فعله لغير حاجة لم تبطل صلاته إن كان قليلا ، فإن كثر بطلت ، ولو أجراها لغير عذر أو كان ماشيا فعدا بلا عذر ، قال البغوي : بطلت صلاته على أصح الوجهين .



                                      [ ص: 221 ] الرابعة ) إذا كان المسافر راكب تعاسيف وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر تارة ، وليس له مقصد معلوم فليس له التنفل على الراحلة ولا ماشيا ، كما ليس له القصر ولا الترخص بشيء من رخص السفر ، فلو كان له مقصد معلوم لكن لم يسر إليه في طريق معين فهل له التنفل مستقبلا جهة مقصده ؟ فيه قولان حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون ( أصحهما ) جوازه ; لأن له طريقا معلوما :

                                      ( والثاني ) لا ; لأنه لم يسلك طريقا مضبوطا فقد لا يؤدي سيره إلى مقصده .



                                      ( الخامسة ) قال صاحب التتمة : إذا كان متوجها إلى مقصد معلوم فتغيرت نيته وهو في الصلاة فنوى السفر إلى غيره أو الرجوع إلى وطنه فليصرف وجه دابته إلى تلك الجهة في الحال ، ويستمر على صلاته وتصير الجهة الثانية قبلته بمجرد النية .



                                      ( السادسة ) لو كان ظهره في طريق مقصده إلى القبلة فركب الدابة مقلوبا وجعل وجهه إلى القبلة فوجهان حكاهما صاحب التتمة :

                                      ( أحدهما ) لا تصح ; لأن قبلته طريقه .

                                      ( وأصحهما ) تصح ; لأنها إذا صحت لغير القبلة فلها أولى .



                                      ( السابعة ) حيث جازت النافلة على الراحلة وماشيا فجميع النوافل سواء في الجواز ، وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يجوز العيد والكسوف والاستسقاء لشبهها بالفرائض في الجماعة ، وبهذا الوجه قطع الدارمي والصحيح الأول وهو المنصوص وبه قطع الأكثرون ، ولو سجد لشكر أو تلاوة خارج الصلاة بالإيماء على الراحلة ففي صحته الخلاف في صلاة الكسوف ; لأنه نادر ، والصحيح الجواز فأما ركعتا الطواف - فإن قلنا : هما سنة - جازت على الرحلة ، وإن قلنا : واجبة فلا ، ولا تصح المنذورة ولا الجنازة ماشيا ولا على الراحلة على المذهب فيها وفيهما خلاف سبق في باب التيمم .



                                      ( الثامنة ) شرط الفريضة المكتوبة أن يكون مصليا مستقبل القبلة مستقرا في جميعها فلا تصح إلى غير القبلة في غير شدة الخوف ولا تصح من الماشي المستقبل ولا من الراكب المخل بقيام أو استقبال بلا خلاف ، فلو استقبل القبلة وأتم الأركان في هودج أو سرير أو نحوهما على ظهر دابة واقفة ففي [ ص: 222 ] صحة فريضته وجهان ( أصحهما ) تصح ، وبه قطع الأكثرون منهم القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وأصحاب التتمة والتهذيب والمعتمد والبحر وآخرون ، ونقله القاضي عن الأصحاب ; لأنه كالسفينة ( والثاني ) لا يصح وبه قطع البندنيجي وإمام الحرمين والغزالي فإن كانت الدابة سائرة والصورة كما ذكرنا فوجهان ، حكاهما القاضي حسين والبغوي والشيخ إبراهيم المروزي وغيرهم ( الصحيح ) المنصوص : لا تصح ; لأنها لا تعد قرارا ( والثاني ) تصح كالسفينة ،



                                      وتصح الفريضة في السفينة الواقفة والجارية والزورق المشدود بطرف الساحل بلا خلاف إذا استقبل القبلة وأتم الأركان ، فإن صلى كذلك في سرير يحمله رجال أو أرجوحة مشدودة بالحبال أو الزورق الجاري في حق المقيم ببغداد ونحوه ففي صحة فريضته وجهان ، الأصح : الصحة كالسفينة ، وبه قطع القاضي أبو الطيب فقال في باب موقف الإمام والمأموم ، قال أصحابنا : لو كان يصلي على سرير فحمله رجال وساروا به صحت صلاته .

                                      ( فرع ) قال أصحابنا : إذا صلى الفريضة في السفينة لم يجز له ترك القيام مع القدرة ، كما لو كان في البر ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يجوز إذا كانت سائرة ، قال أصحابنا : فإن كان له عذر من دوران الرأس ونحوه جازت الفريضة قاعدا ; لأنه عاجز ، فإن هبت الريح وحولت السفينة فتحول وجهه عن القبلة وجب رده إلى القبلة ، ويبني على صلاته بخلاف ما لو كان في البر ، وحول إنسان وجهه عن القبلة قهرا فإنه تبطل صلاته كما سبق بيانه قريبا ، قال القاضي حسين والفرق أن هذا في البر نادر ، وفي البحر غالب وربما تحولت في ساعة واحدة مرارا .

                                      ( فرع ) قال أصحابنا : ولو حضرت الصلاة المكتوبة وهم سائرون ، وخاف لو نزل ليصليها على الأرض إلى القبلة انقطاعا عن رفقته أو خاف على نفسه أو ماله لم يجز ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها ، بل يصليها على الدابة لحرمة الوقت ، وتجب الإعادة ; لأنه عذر نادر ، هكذا ذكر المسألة جماعة منهم صاحب التهذيب والرافعي ، وقال القاضي حسين يصلي على الدابة كما ذكرنا قال ووجوب الإعادة يحتمل وجهين [ ص: 223 ] أحدهما : لا تجب كشدة الخوف . والثاني : تجب ; لأن هذا نادر ومما يستدل للمسألة حديث يعلى بن مرة ( رض ) الذي ذكرناه في باب الأذان في مسألة القيام في الأذان .



                                      ( فرع ) المريض الذي يعجز عن استقبال القبلة ولا يجد من يحوله إلى القبلة لا متبرعا ولا بأجرة مثله وهو واجدها - يجب عليه أن يصلي على حسب حاله وتجب الإعادة ; لأنه عذر نادر والمربوط على خشبة والغريق ، ونحوهما تلزمهما الصلاة بالإيماء حيث أمكنهم ، وتجب الإعادة لندوره ، وفيهم خلاف سبق في باب التيمم الصحيح وجوب الإعادة .



                                      ( التاسعة ) إذا تيقن الخطأ في القبلة لزمه الإعادة في أصح القولين كما سبق واختار المزني أن لا إعادة ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود واحتجوا بأشياء كثيرة منها : أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس بعد نسخه ووجوب استقبال الكعبة ، ثم علموا في أثناء الصلاة النسخ فاستداروا في صلاتهم ، وأتموا إلى الكعبة ، وكانت الركعة الأولى إلى غير الكعبة بعد وجوب استقبال الكعبة ولم يؤمروا بالإعادة . قال الشيخ أبو حامد في جوابه : اختلف أصحابنا في النسخ إذا ورد إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يثبت في حق الأمة قبل بلوغه إليهم ؟ أم لا يكون نسخا في حقهم حتى يبلغهم ؟ وفيه وجهان ، فإن قلنا : لا يثبت في حقهم حتى يبلغه فأهل قباء لم تصر الكعبة قبلتهم إلا حين بلغتهم فلا إعادة على أهل قباء قولا واحدا ، وإن كان في المخطئ قولان ، قال : والفرق أن أهل قباء استقبلوا بيت المقدس بالنص ، فلا يجوز لهم الاجتهاد في خلافه ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد الذي أخطأ . واحتجوا أيضا بحديث عامر بن ربيعة قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنزل : { فأينما تولوا فثم وجه الله } } وبحديث { جابر قال : كنا في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا في القبلة فصلى كل رجل على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا لغير القبلة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 224 ] قد أجيزت صلاتكم } والجواب أن الحديثين ضعيفان ، ضعف الأول الترمذي والبيهقي وآخرون ، وضعف الثاني الدارقطني والبيهقي وآخرون . قال البيهقي : " لا نعلم له إسنادا صحيحا " ولو صحا لأمكن حملهما على صلاة النفل والله أعلم .



                                      ( العاشرة ) قال الشافعي في الأم : لو اجتهد فدخل في الصلاة فعمي فيها أتمها ولا إعادة ; لأن اجتهاده الأول أولى من اجتهاد غيره قال : فإن دار عن تلك الجهة أو أداره غيره خرج من الصلاة واستأنفها باجتهاد غيره .




                                      الخدمات العلمية