الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 152 ] وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة } ) .

                                                                                                                                            1034 - ( وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة } متفق عليهما ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد بلفظ : " خمسا وعشرين درجة كلها مثل صلاته " . وعن أبي بن كعب عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ : { صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل } . وعن معاذ أشار إليه الترمذي وذكر لفظه ابن سيد الناس في شرحه فقال : { فضل صلاة الجمع على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين } . وعن أبي سعيد عند البخاري بلفظ : { صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة } وعنه أيضا عند أبي داود وسيأتي . وعن أنس عند الدارقطني بنحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب .

                                                                                                                                            وعن عائشة عند أبي العباس السراج بلفظ : { صلاة الرجل في الجمع تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة } وعن صهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت عند الطبراني بطرق كلها ضعيفة ، واتفقوا على خمس وعشرين ، قال الترمذي : وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قالوا خمس وعشرين . إلا ابن عمر فإنه قال بسبع وعشرين . قال الحافظ في الفتح : لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع قال : خمسا وعشرين ، لكن العمري ضعيف ، وكذلك وقع عند أبي عوانة في مستخرجه ، ولكنها شاذة مخالفة لرواية الحفاظ ، وروي بلفظ سبع وعشرين عن أبي هريرة عند أحمد ، وفي إسناده شريك القاضي وفي حفظه ضعف . وقد اختلف ، هل الراجح رواية السبع والعشرين أو الخمس والعشرين ؟ فقيل : رواية الخمس ; لكثرة رواتها ، وقيل : رواية السبع ; لأن فيها زيادة من عدل حافظ . وقد جمع بينهما بوجوه : منها أن ذكر القليل لا ينفي الكثير ، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد .

                                                                                                                                            وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس ، ثم أخبره الله بزيادة الفضل فأخبر بالسبع ، وتعقب بأنه محتاج إلى التاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه . وقيل : الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده ، وقيل : الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع . وقيل : الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره وقيل : الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره . وقيل : الفرق بإدراكها [ ص: 153 ] كلها أو بعضها ، قيل : الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم .

                                                                                                                                            وقيل : السبع مختصة بالفجر والعشاء . وقيل : بالفجر والعصر ، والخمس بما عدا ذلك . وقيل : السبع مختصة بالجهرية ، والخمس بالسرية ، ورجحه الحافظ في الفتح ، والراجح عندي أولها لدخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع . واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن إدراكها ، وقد تعرض جماعة للكلام على وجه الحكمة وذكروا مناسبات ، وقد طول الكلام في ذلك صاحب الفتح ، فمن أحب الوقوف على ذلك رجع إليه . قوله : ( درجة ) هو مميز العدد المذكور وفي الروايات كلها التعبير بقوله " درجة " أو حذف المميز إلا طرق أبي هريرة ففي بعضها " ضعفا " وفي بعضها " جزءا " وفي بعضها " درجة " وفي بعضها " صلاة " ، ووجد هذا الأخير في بعض طرق أنس ، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة ، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة ، والمراد : أنه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعا وعشرين مرة .

                                                                                                                                            قوله : ( على صلاته في بيته وصلاته في سوقه ) مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت والسوق جماعة وفرادى ولكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا . قال ابن دقيق العيد : وهو الذي يظهر لي ، وقال الحافظ : وهو الراجح في نظري ، قال : ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية بين صلاة البيت والسوق ، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية أن لا تكون إحداهما أفضل من الأخرى ، وكذا لا يلزم منه التسوية بين صلاة البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردا ، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد .

                                                                                                                                            والصلاة في البيت مطلقا أولى منها في السوق لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين ، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد انتهى . وقد استدل بالحديثين وما ذكرنا معهما القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة ، وقد تقدم ذكرهم ; لأن صيغة ( أفضل ) كما في بعض ألفاظ حديث ابن عمر تدل على الاشتراك في أصل الفضل كما تقدم ، وكذلك قوله في حديث أبي بن كعب : " أزكى " والمشترك ههنا لا بد أن يكون هو الإجزاء والصحة ، وإلا فلا صلاة فضلا عن الفضل والزكاة .

                                                                                                                                            ومن أدلتهم على عدم الوجوب حديث : { إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة } وقد تقدم في باب الرخصة في إعادة الجماعة . ومن أدلتهم ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى قال : قال رسول الله : { إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام } في رواية أبي كريب عند مسلم أيضا " حتى يصليها مع [ ص: 154 ] الإمام في جماعة " . ومن أدلتهم أيضا { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر جماعة من الوافدين عليه بالصلاة ولم يأمرهم بفعلها في جماعة } وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وهذه الأدلة توجب تأويل الأدلة القاضية بالوجوب بما أسلفنا ذكره . وكذلك تأويل حديث ابن عباس المتقدم بلفظ : { من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر } بأن المراد لا صلاة له كاملة ، على أن في إسناده يحيى بن أبي دحية الكلبي المعروف بأبي جناب بالجيم المكسورة ، وهو كما قال الحافظ : ضعيف ومدلس وقد عنعن ، وقد أخرجه بقي بن مخلد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم من طريق أخرى بإسناد قال الحافظ : صحيح بلفظ : " من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر " ولكن قال الحاكم : وقفه أكثر أصحاب شعبة ثم أخرج له شاهدا عن أبي موسى الأشعري بلفظ : { من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له } وقد رواه البزار موقوفا . قال البيهقي : الموقوف أصح . ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث جابر . ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه .

                                                                                                                                            وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب ، وتبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل ، والتمسك به بما يقضي به الظاهر فيه إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب وهو لا يجوز . فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشئوم ، وأما أنها فرض عين أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة فلا . ولهذا قال المصنف رحمه اللهبعد أن ساق حديث أبي هريرة ما لفظه : وهذا الحديث يرد على من أبطل صلاة المنفرد لغير عذر وجعل الجماعة شرطا ; لأن المفاضلة بينهما تستدعي صحتهما ، وحمل النص على المنفرد لعذر لا يصح ; لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر ، فروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا } رواه أحمد والبخاري وأبو داود .

                                                                                                                                            وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا } رواه أحمد وأبو داود والنسائي انتهى . استدل المصنف رحمه اللهبهذين الحديثين على ما ذكره من عدم صحة حمل النص على المنفرد لعذر ; لأن أجره كأجر المجمع .

                                                                                                                                            والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ، وفي إسناده محمد بن طحلاء ، قال أبو حاتم : ليس به بأس ، وليس له عند أبي داود إلا هذا الحديث .

                                                                                                                                            وأخرج أبو داود عن سعيد بن المسيب قال : { حضر رجلا من الأنصار الموت فقال : إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا احتسابا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء وفيه فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر [ ص: 155 ] له ، وإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك ، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم كان كذلك } . .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية