- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
المال عصب الحياة، وقوام المعاش، به تقام مصالح الناس وتسد حاجاتهم، وليس في ذاته مذموما، بل هو نعمة إذا وضع في يد صالحة تنفقه في سبيل الله، وتستعمله في الطاعة والبر والإحسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) رواه الحاكم. ومع ذلك، فإن النفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ولا شيء أسرع إلى إفسادها وإطفاء نورها من المال إذا غابت عنه ضوابط الشرع، ولم يسخر في طاعة الله..
فالمال أداة اختبار وابتلاء، فمن جعله وسيلة للطاعة والبر، كان نعمة تقوده إلى الجنة، ومن اتخذه مركبا للمعصية والتبذير كان عليه نقمة تجره إلى النار.
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل أمة فتنة تمحص صفوفها وتكشف حقيقة إيمانها، فقال: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) رواه الترمذي، وذلك يظهر في الحرص على جمع المال من غير مبالاة أكان من حلال أم من حرام، وفي إنفاقه في المعاصي، وعدم إخراج حق الله فيه من زكاة وصدقة، فيكون المال حينئذ سببا للضلال والهلاك بدل أن يكون وسيلة للنجاة والسعادة..
ولذلك لم يكن خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الفقر والفاقة، بل كان يخشى عليهم من "الغنى المطغي" وبسط الدنيا، فقال صلى الله عليه وسلم: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم) رواه البخاري. فالسعيد من ملك المال ولم يملكه المال، وجعل الدنيا في يده لا في قلبه، فإن صدأ فتنة المال إذا تمكن من القلب حجبه وأبعده عن الله عز وجل، وأقعده عن صالح الأعمال، وجرأه على معصية الله..
عباد الله: لقد عاش الصحابة رضوان الله عليهم حال الفقر وضيق العيش، ثم حال السعة والرخاء بعد الفتوحات، ومع ذلك، لم تتغير نفوسهم، ولم يطغوا أو يبطروا، بل ظلوا ثابتين على طاعة الله وطريق الله، يذكرون إخوانهم الذين سبقوهم في الجهاد، ويخشون أن تكون الطيبات التي نالوها قد عجلت لهم في الدنيا ونقصت من ثوابهم في الآخرة.
لقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل الفتوحات حالا شديدا من الفقر وضيق العيش، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض) رواه البخاري. وكان يأتي عليهم الشهر لا يوقدون فيه نارا، إنما هو التمر والماء، وربما أهدى إليهم بعض الصحابة شيئا من اللحم القليل..
وكان الصحابة رضوان الله عليهم من أهل الصفة فقراء لا مأوى لهم، ينامون في المسجد، ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بيته ليطعمهم إن وجد شيئا.. بل إن بعض الصحابة لم يجد ما يقدمه مهرا لزواجه، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم له: (التمس ولو خاتما من حديد فلم يجد) رواه البخاري، فهذه صورة صغيرة سريعة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في زمن الفقر، حيث لم يكن لهم من الدنيا إلا القليل، ومع ذلك صبروا واحتسبوا، وازدادوا قربا من الله، ولم يغير الفقر قلوبهم عن الطاعة ولا عن الرضا والشكر..
ثم جاءت الفتوحات الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فانهالت الأموال والغنائم على الصحابة، وفتح الله لهم المدائن وقصور كسرى وقيصر، ومع ذلك، لم يغير هذا حالهم، ولم يطغوا أو يبطروا، بل ظلوا على حالهم من الزهد والتواضع.
انظروا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خليفة المسلمين، وقد فتحت عليه الدنيا، ومع ذلك كان ثوبه مرقعا، وكان يستطيع أن يأكل من أطيب الطعام كل يوم، لكنه كان يكتفي بالزيت والخبز والملح، ويرفض أن يجلس على الفراش الوثير، حتى قال رسول أحد الملوك حين رآه: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر". هذا هو حال الصحابة لم تغيرهم الأموال، ولم تفسدهم الدنيا، بل ظلوا على حالهم من التواضع والعدل..
ويحكي خباب رضي الله عنه، وقد عاش الفقر والفتوحات، فيقول: "هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فما أردنا مالا ولا دنيا، فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئا، ومنهم مصعب بن عمير الذي قتل يوم أحد وعليه ثوب لا يكفي لتغطية جسده، فأمرنا النبي أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئا من نبات الإذخر..
قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ـ وهو من كبار الأغنياء بعد الفتوحات ـ لما قدم إليه طعام وهو صائم، تذكر مصعب بن عمير وحمزة رضي الله عنهما، وقال: "قتل مصعب وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا"، ثم بكى وترك الطعام.. هذا هو حال الصحابة، لم تغيرهم الأموال، ولم تفسدهم النعم، بل كانوا يذكرون إخوانهم الذين سبقوهم، ويخشون أن تكون الدنيا قد أخذت من نصيبهم في الآخرة..
معاشر المؤمنين: إن من أجمل ما يتحلى به المرء عند الغنى هو الاعتراف بالفضل لله عز وجل وأن يعرف حق الله في هذا المال، فإذا رأيتم الغني الذي بسط الله له في رزقه يستذكر أيام فقره، ويقص على الناس والذرية حاله حين كان فقيرا، شاكرا لله على تبدل حاله، فاعلموا أن هذا المسلك هو باب خير عظيم وبركة مستمرة..
أما في واقعنا فإننا نرى نقيض ذلك في نفوس أعماها الكبر، فبمجرد أن يجمع أحدهم بعض حطام الدنيا، ينسى حاله السابق وينكر فضل الله عليه، وإذا سئل عن سر ثروته قال بلسان يملؤه الغرور: "إنما ورثت هذا العز كابرا عن كابر، وهو مجهود آبائي وأجدادي"، أو"نتيجة عملي وجهدي"، ينسب الفضل لنفسه وينزعه من خالقه..
هذا الصنف من الناس يشبه في حاله أولئك الذين وردت قصتهم في السنة النبوية، الثلاثة الذين أنعم الله عليهم بقطعان الإبل والبقر والغنم، ورفع عنهم عيوب الجسد من برص وصلع وعمى..
فحين جاء وقت الامتحان، جحد الأول والثاني فضل الله، وادعيا الفضل لأنفسهم قائلين: "'ورثناه كابرا عن كابر"، فكان جزاؤهما السخط وزوال النعمة، بينما وقف الأعمى -الذي أبصر بقلبه قبل عينيه- ليقول للسائل بلسان المؤمن الحق: "لقد كنت فقيرا فأغناني الله، وكنت ضريرا فرد الله علي بصري، فخذ من مالي ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أمنعك اليوم شيئا لله"..
إن مأساة بعض الناس اليوم تكمن في عدم المبالاة بمصدر المال أو الحقوق المتعلقة به، فتجدهم يجمعون الثروات بلهف وشره، دون اكتراث بشكر المنعم أو تذكر حال الفقر، غافلين عن أن الذي أعطى قادر على أن يأخذ، وأن شكر النعمة ومراعاة حق الله فيها هو قيدها الذي يحفظها من الزوال..
عباد الله، إن الفرق بين من يضعف أمام المال فيتكبر ويطغى، وبين من يثبت على الحق في السراء والضراء، هو الإيمان الصادق واليقين بالله، فالمؤمن الحق يعلم أن المال نعمة وابتلاء، كما أن المصائب ابتلاء، والصحابة رضوان الله عليهم لم يغيرهم المال، ولم تفتنهم الدنيا، بل زادتهم طاعة وشكرا لله وتواضعا، عاملين بقول الله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}(براهيم:7)، بينما نرى اليوم بعض الناس إذا أغناهم الله نسوا شكره، واستعلوا بالمال على الناس، وقطعوا أرحامهم، وغرقوا في المعاصي، وقد قال الله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}(لتغابن:15)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال)، فالمؤمن الحق لا يغتر بزينة الدنيا، بل يجعل المال وسيلة للطاعة والبر، فيزداد تواضعا وخشية، ويضع نصب عينيه دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه؛ فيم أبلاه؟) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
إن الفقر والغنى ما هما إلا ابتلاءان من الله تعالى، يختبر بهما عباده، ليرى من يصبر على الضيق والفقر، ومن يشكر عند المال والسعة، قال الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}(الأنبياء:35).
وقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر وشره، ويحذر في الوقت ذاته من طغيان المال وفتنته، فكلاهما اختبار عظيم، فمن صبر ورضي في الفقر فهو خير له، وسيعوضه الله في الدنيا والآخرة، ومن شكر في حال الرخاء واستعمل نعم الله في طاعة الله زاده الله خيرا وبركة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له) رواه مسلم.
وإننا اليوم نرى مظاهر فتنة المال التي حذرنا منها نبينا صلى الله عليه وسلم شاخصة في واقع بعض الناس، فكم من إنسان كان بالأمس قريبا من ربه، محافظا على صلاته، هينا لينا في تعامله، فلما فتحت عليه أبواب المال، بطر النعمة وذهل عن الشكر، فهجر بيوت الله إلا في جمعة أو مناسبة، بل وربما استغل ما أعطاه الله من مال أو جاه ليتكبر على الخلق ويترفع عليهم، وينفق ماله فيما يسخط الله، غافلا عن أن هذه المال قد يكون استدراجا يؤدي إلى نقمة، وأن خلف هذا المال حسابا عسيرا، فالمال إن لم يلجم بلجام التقوى صار وبالا يجر صاحبه إلى موارد الهلكة..
وفي المقابل، ما أجمل تلك النماذج التي نراها في زماننا، رجال وسع الله عليهم من رزقه الحلال، فلم تزدهم الأموال إلا قربا من الله، ولم يزدهم الغنى إلا محافظة على الصلاة، وتواضعا للناس، فجعلوا أموالهم جسورا للآخرة، فهذا يحفر بئرا، وهذا يكفل يتيما، وذاك يداوي مريضا، قد علموا يقينا أنهم مستخلفون في هذا المال، فلم تأسرهم الدنيا ولم تفتنهم الأموال.
إن المؤمن الصادق -يا عباد الله- هو من يسكن ماله في يده لا في قلبه، فإن افتقر صبر ورضي بعزة المكتفي، وإن استغنى وجل قلبه وتواضع تواضع المنكسر، مدركا أن القيمة ليست في الرصيد ولا في المنصب، بل في طهارة النفس وصلاحها، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) رواه البخاري.
فعلينا أن نتقي الله في أموالنا ـ كسبا من حلال، وإنفاقا في خير وطاعة ـ، وألا نجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، بل نجعلها مزرعة للآخرة، فالسعيد من خرج من الدنيا وقد رضى عنه بما قدم من صبر ورضا، وشكر وإحسان، ولنتذكر دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا) رواه الترمذي.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

