وإنما أكد بقوله : " أو تقدم تصوره " دفعا لوهم : وهو أن يقال : إن حصول العلم يستلزم تصوره حال حصوله أو قبله .
وقال بعض الشارحين في تقرير الوجه الثاني : إن مطلق العلم لو لم يكن بديهيا - لما كان تصديق بديهي . واللازم باطل فالملزوم مثله .
بيان الملازمة أن مطلق العلم لو توقف على الكسب - والتصديق أحد قسمي العلم المتوقف على مطلق العلم - لتوقف التصديق على الكسب ; لأن المتوقف على التوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء .
وقرر جوابه على هذا الوجه . وهو أن المصنف اعترض على الملازمة ، وعلى أن الدليل المذكور ينتج الملازمة بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوره ، ولا تقدم تصوره ، أي لا يلزم من حصول العلم ببداهة التصديق تصور العلم ولا تقدم تصوره ; إذ المراد ببداهة التصديق أن العلم بانتساب طرفيه حصل بغير برهان . وحصول العلم بالانتساب وبطرفيه لا يستدعي تصوره .
[ ص: 45 ] ولعل هذا الشارح إذا لاحظ قوله : " إذ المراد ببداهة التصديق أن العلم بانتساب طرفيه حصل بغير برهان " وتفكر في تفسيره البداهة ، لم يجد هذا الجواب كما ينبغي ; لأن العلم ببداهة التصديق على الوجه الذي قرره علم بعلم خاص ، والعلم بالعلم الخاص مستلزم للعلم بالعلم المطلق . فحصول العلم ببداهة التصديق يستدعي تصور العلم .
بل الجواب أن يقال : لا نسلم أن تصور مطلق العلم لو كان بالكسب ، يلزم كسبية التصديق .
قوله : لأن التصديق يتوقف على مطلق العلم ، ومطلق العلم يتوقف على الكسب . قلنا : لا نسلم أن مطلق العلم يتوقف على الكسب ، بل تصور مطلق العلم يتوقف على الكسب ، والتصديق البديهي يتوقف على حصول العلم ، ولا يلزم من حصول العلم تصوره أو تقدم تصوره .