وأصل آخر : وهو أن الكوفيين قد عرف تخفيفهم في
العفو عن النجاسة ، فيعفون من المغلظة عن قدر الدرهم البغلي ، ومن المخففة عن ربع المحل المتنجس ،
nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي بإزائهم في ذلك ، فلا يعفو عن النجاسات إلا عن أثر الاستنجاء
وونيم الذباب ونحوه ، ولا يعفو عن دم ولا عن غيره إلا عن
دم البراغيث ونحوه ، مع أنه ينجس أرواث البهائم وأبوالها وغير ذلك ، فقوله في النجاسات نوعا وقدرا أشد أقوال الأئمة الأربعة .
ومالك متوسط في نوع النجاسة وفي قدرها ، فإنه لا يقول بنجاسة الأرواث والأبوال مما يؤكل لحمه ، ويعفو عن يسير الدم وغيره .
وأحمد كذلك ، فإنه متوسط في النجاسات ، فلا ينجس الأرواث والأبوال ، ويعفو عن اليسير من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها ، حتى إنه في إحدى الروايتين عنه يعفو عن يسير
روث البغل والحمار وبول الخفاش وغير ذلك مما يشق الاحتراز عنه ، بل يعفو في إحدى الروايتين عن اليسير من الروث والبول من كل حيوان طاهر ، كما ذكر ذلك
nindex.php?page=showalam&ids=14953القاضي أبو يعلى في شرح المذهب ، وهو مع ذلك يوجب اجتناب
النجاسة في الصلاة في الجملة من غير خلاف عنه ، لم
[ ص: 35 ] يختلف قوله في ذلك كما اختلف أصحاب
مالك ، ولو صلى بها جاهلا أو ناسيا لم تجب عليه الإعادة في أصح الروايتين ، كقول
مالك كما دل عليه حديث
nindex.php?page=hadith&LINKID=16003784النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في أثناء الصلاة لأجل الأذى الذي فيهما ، ولم يستقبل الصلاة ، ولما صلى الفجر فوجد في ثوبه نجاسة أمر بغسلها ولم يعد الصلاة ، والرواية الأخرى : تجب الإعادة ، كقول
nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي .
وأصل آخر في إزالتها ، فمذهب
nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة : تزال بكل مزيل من المائعات والجامدات ،
nindex.php?page=showalam&ids=13790والشافعي لا يرى إزالتها إلا بالماء حتى ما يصيب أسفل الخف والحذاء والذيل : لا يجزئ فيه إلا الغسل بالماء ، وحتى نجاسة الأرض .
ومذهب
أحمد فيه متوسط ، فكل ما جاءت به السنة قال به ، يجوز في الصحيح عنه : مسحها بالتراب ونحوه من النعل ونحوه كما جاءت به السنة ، كما يجوز مسحها من السبيلين فإن السبيلين بالنسبة إلى سائر الأعضاء كأسفل الخف بالنسبة إلى سائر الثياب في تكرر النجاسة على كل منها .
واختلف أصحابه في أسفل الذيل : هل هو كأسفل الخف ؟ كما جاءت به السنة واستوائها للأثر في ذلك ، والقياس : إزالتها عن الأرض بالشمس والريح يجب التوسط فيه .
[ ص: 36 ] فإن التشديد في النجاسات جنسا وقدرا هو دين
اليهود ، والتساهل هو دين
النصارى ، ودين الإسلام هو الوسط ، فكل قول يكون فيه شيء من هذا الباب يكون أقرب إلى دين الإسلام .