[ ص: 121 ] يبق في الآية دلالة على
حصول الإسراء بالجسد .
فإن قالوا : فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : (
سبحان الذي أسرى بعبده ) .
قلنا : هذا أيضا بعيد ؛ لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به . فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في
إثبات المعراج بالروح والجسد معا .
والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : (
أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) [العلق : 9 - 10 ] . ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : (
وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) [الجن : 19] . والمراد مجموع الروح والجسد ، فكذا ههنا .
وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور ، وهو يدل على الذهاب من
مكة إلى
بيت المقدس ، ثم منه إلى السماوات ، واحتج المنكرون له بوجوه :
أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة :
أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة .
وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السماوات غير معقول .
وثالثها : أن صعوده إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك ، وذلك محال .
والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات ، وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم .
والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : (
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) [الإسراء : 60] . وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؛ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام .
الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء
زمزم وهو بعيد ؛ لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ؛ لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ، ثم إن
محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين
موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة
موسى عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردودا .
والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها .
والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : (
لنريه من آياتنا ) . وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه :
الأول : أن خيرات الجنة عظيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال
[ ص: 122 ] النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة .
الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة - صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم .
الثالث : أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السماوات والكرسي والعرش ، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل ، وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى . يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب - لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين .
واعلم أن قوله : (
لنريه من آياتنا ) كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين .
والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام .
والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : أما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة " والنجم " ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : (
لتركبن طبقا عن طبق ) [الانشقاق : 19] . وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف . والله أعلم .