ذكر خروج ابنة حمزة - رضي الله عنها

روى الشيخان عن البراء بن عازب ، والإمام أحمد عن علي ، ومحمد بن عمر عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال ابن عباس : إن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وقيل اسمها أمامة قال الحافظ : وهو المشهور وأمها سلمى بنت عميس ، كانت بمكة ،

فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة كلم علي بن أبي طالب - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ ، فلم ينهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج بها .

وقال البراء : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج تبعته ابنة حمزة تنادي يا عمي يا عمي ، فتناولها علي فأخذ بيدها . وقال لفاطمة - رضي الله عنها - : دونك ابنة عمك ، فاختصم فيها .

زيد وعلي وجعفر ، أي بعد أن قدموا المدينة

. وكان زيد وصي حمزة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد واخى بينهما حين واخى بين المهاجرين . فقال علي : أنا أحق بها ، وهي ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وقال جعفر : بنت عمي وخالتها أسماء بنت عميس تحتي . وقال زيد : بنت أخي . فقضى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالتها ، وقال : «الخالة بمنزلة الأم” وقال لعلي : «أنت مني وأنا منك” . وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنه - «وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي” وقال لجعفر : «أشبهت خلقي وخلقي” . وقال لزيد : «أنت أخونا ومولانا” . وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنه - «أنت مولى الله ورسوله” .

قال محمد بن عمر : فلما قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما هذا يا جعفر ؟ قال : يا رسول الله ، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل .

فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : تزوجها . فقال : " ابنة أخي من الرضاعة " . فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " هل جزيت سلمة ؟ .

قلت : لأنه ذكر الواقدي وغيره ، أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمه أم سلمة ، لأنه كان أكبر من أخيه عمر بن أبي سلمة . والله أعلم . وفي هذه القصة من الفقه : أن الخالة مقدمة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الأبوين .

وأن تزوج الحاضنة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها . نص أحمد - رحمه الله تعالى - في رواية عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها في الجارية خاصة ، واحتج بقصة بنت حمزة هذه ، ولما كان ابن العم ليس محرما لم يفرق بينه وبين الأجنبي في ذلك ، وقال : تزوج الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية ، وقال الحسن البصري : لا يكون تزوجها مسقطا لحضانتها بحال ذكرا كان الولد أو أنثى .

وقد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال :

أحدها : تسقط به ذكرا كان أو أنثى ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأحمد في إحدى الروايات عنه .

والثاني : لا تسقط بحال ، وهو قول الحسن وابن حزم .

والثالث : إن كان الطفل بنتا ، لم تسقط الحضانة ، وإن كان ذكرا سقطت ، وهذه رواية عن أحمد - رحمه الله تعالى - وقال في رواية مهنا : إذا تزوجت الأم وابنها صغير ، أخذ منها ، قيل له : والجارية مثل الصبي ؟ قال : لا ، الجارية تكون معها إلى سبع سنين ، وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى عنه : أنها أحق بالبنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ .

والرابع : أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل ، لم تسقط حضانتها ، وإن تزوجت بأجنبي سقطت ، ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه يكفي كونه نسيبا فقط ، محرما كان أو غير محرم ، وهذا ظاهر كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم .

الثاني : أنه يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم ، وهو قول الحنفية .

الثالث : أنه يشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة ، بأن يكون جدا للطفل ، وهذا قول بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي .

وفي القصة حجة لمن قدم الخالة على العمة ، وقرابة الأم على قرابة الأب ، فإنه قضى بها لخالتها ، وقد كانت صفية عمتها موجودة إذ ذاك ، وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه .

وعنه رواية ثانية : أن العمة مقدمة على الخالة - وهي اختيار شيخنا - وكذلك نساء الأب يقدمن على نساء الأم ؛ لأن الولاية على الطفل في الأصل للأب ، وإنما قدمت عليه الأم لمصلحة الطفل ، وكمال تربيته وشفقتها وحنوها ، والإناث أقوم بذلك من الرجال ، فإذا صار الأمر إلى النساء فقط أو الرجال فقط ، كانت قرابة الأب أولى من قرابة الأم ، كما يكون الأب أولى من كل ذكر سواه ، وهذا قوي جدا .

ويجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمتها بأن العمة لم تطلب الحضانة ، والحضانة حق لها يقضى لها به بطلبه ، بخلاف الخالة ، فإن جعفرا كان نائبا عنها في طلب الحضانة ، ولهذا قضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في غيبتها .

وأيضا فكما أن لقرابة الطفل أن يمنع الحاضنة من حضانة الطفل إذا تزوجت ، فللزوج أن يمنعها من أخذه وتفرغها له ، فإذا رضي الزوج بأخذه حيث لا تسقط حضانتها لقرابته ، أو لكون الطفل أنثى على رواية ، مكنت من أخذه ، وإن لم يرض فالحق له والزوج هاهنا قد رضي وخاصم في القصة ، وصفية لم يكن منها طلب .

وأيضا فابن العم له حضانة الجارية التي لا تشتهى في أحد الوجهين ، بل وإن كانت تشتهى ، فله حضانتها أيضا ، وتسلم إلى امرأة ثقة يختارها هو ، أو إلى محرمه وهذا هو المختار ؛ لأنه قريب من عصباتها ، وهو أولى من الأجانب والحاكم ، وهذه إن كانت طفلة فلا إشكال ، وإن كانت ممن يشتهى ، فقد سلمت إلى خالتها ، فهي وزوجها من أهل الحضانة ، والله أعلم . «قول ابنة حمزة يا عم كأنها خاطبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك إجلالا ، وإلا فهو ابن عمها ، أو بالنسبة إلى كون حمزة - وإن كان عمه من النسب - فهو أخوه من الرضاعة .

وكانت خصومة علي وجعفر ، وزيد في ابنة حمزة بعد أن قدموا المدينة ، كما صح ذلك من حديث علي عند أحمد ، والحاكم . وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا على أخذها من مكة مع اشتراط المشركين ألا يخرج .

بأحد من أهلها أراد الخروج ، لأنهم لم يطلبوها ، وأيضا فإن النساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك ، لكن إنما نزل القرآن بعد رجوعهم إلى المدينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية