وسبب الإمساك عن ذلك كونهم حرفوا بعضا وكتموا بعضا، قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية [آل عمران : 187] كتموا ما أنزل إليهم في محمد. وهذا الحديث أصل في وجوب التوقف في كل مشكل من الأمور والمعلوم، فلا يقضى عليه بجواز ولا بطلان ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء، إلا أن اليهود والنصارى حرفوا وبدلوا، ولا نعلم ما يأتون به صحيح أو محرف مبدل. فوجب التوقف عن تصديق ذلك وتكذيبه.
[ ص: 46 ] وعلى هذا المعنى كان توقف السلف عن بعض ما أشكل عليهم من الأحكام وتعليقهم القول فيه، كما سئل عثمان - رضي الله عنه - عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وكما سئل nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رجل نذر أن يصوم كل يوم إثنين فوافق ذلك يوم عيد، فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر ونهى رسوله عن صيام يوم العيد، فهذا مذهب من سلك طريق الورع منهم، وإن كان غيرهم قد اجتهدوا واعتبروا معاني الأصول فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وكأن معنى حرم ذلك أن المراد بإحدى الاثنتين بيان ما حرم علينا أو تفصيله، والمراد بالأخرى مدح المؤمنين على حسن الانقياد لما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه من غير تفصيل ولا تعيين؛ ولأن إحدى الاثنتين أخص في المعنى، وهو قوله: وأن تجمعوا بين الأختين والأخرى أعم، وهي أو ما ملكت أيمانكم فقضوا بالأخص على الأعم.