(قوله : " قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يصرفه كيف يشاء ") ظاهر الإصبع محال على الله تعالى قطعا لما قلناه آنفا ، ولأنه لو كانت له أعضاء وجوارح ؛ لكان كل جزء منه مفتقرا للآخر ، فتكون جملته محتاجة ، وذلك يناقض الإلهية ، وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال : هذا استعارة جارية مجرى قولهم : فلان في كفي ، وفي قبضتي . يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له ، كيف شاء ، وأمكن من ذلك في المعنى ، مع إفادة التيسير أن يقال : فلان بين إصبعي ، أصرفه كيف شئت . يعني : أن التصرف متيسر عليه غير متعذر . وقال بعضهم : يحتمل أن يريد بالإصبع هنا النعمة . وحكي أنه يقال : لفلان عندي إصبع حسنة ، أي : نعمة . كما قيل في اليد . فإن قيل : فلأي شيء ثنى الإصبع ، ونعمه كثيرة لا تحصى؟ قلنا : لأن النعم وإن كانت كذلك ، فهي قسمان : نفع ودفع ، فكأنه قال : قلوب بني آدم بين أن يصرف الله عنها ضرا ، وبين أن يوصل إليها نفعا .
[ ص: 673 ] قلت : وهذا لا يتم حتى يقال : إن بني آدم - هنا - يراد بهم الصالحون الذين تولى الله حفظ قلوبهم . وأما الكفار والفساق ، فقد أوصل الله تعالى إلى قلوبهم ما شاءه وبهم من الطبع والختم والرين ، وغير ذلك . وحينئذ يخرج الحديث عن مقصوده ، فالتأويل الأول أولى ، وقد قلنا : إن التسليم الطريق السليم .
و (قوله : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ") هذا الكلام يعضد ذلك التأويل الأول ، وقد وقع هذا الحديث في غير كتاب nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم فقال : " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " . وهما بمعنى واحد ؛ وحاصله : أن أحوال القلوب منتقلة غير ثابتة ولا دائمة . فحق العاقل أن يحذر على قلبه من قلبه ، ويفرغ إلى ربه في حفظه .