[ ص: 410 ] الفصل الثالث فيما ينعقد به الإجماع
[ الوفاق المعتبر في الإجماع ] وله شروط : الشرط الأول أن يوجد فيه قول الخاصة من أهل العلم فلا اعتبار بقول العامة ، وفاقا ولا خلافا عند الأكثرين ، لقول الله تعالى : {
وأولوا العلم } وقال : {
nindex.php?page=hadith&LINKID=14638العلماء ورثة الأنبياء } ، واحتج
الروياني بما يروى أن
nindex.php?page=showalam&ids=86أبا طلحة الأنصاري خالف الصحابة وقال : البرد لا يفطر الصائم ; لأنه ليس بطعام ولا شراب . قال : فردوا قوله ، ولم يعتدوا بخلافه . قال
ابن دقيق العيد : وهو الصواب ; لوجوب رد العوام إلى قول المجتهدين ، وتحريم الفتوى منهم في الدين . وقيل : يعتبر قولهم ; لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها من الخطأ ، فلا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة . وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض .
[ ص: 411 ] وهذا القول حكاه
ابن الصباغ ،
وابن برهان عن بعض
المتكلمين ، واختاره
الآمدي ، ونقله
الإمام ،
وابن السمعاني ،
والهندي عن
nindex.php?page=showalam&ids=12604القاضي أبي بكر ، ونوزعوا في ذلك بأن المذكور في " مختصر التقريب " التصريح بأنه لا يعتبر خلافهم ولا وفاقهم ، وكاد أن يدعي الإجماع فيه ، وقال في موضع آخر في الكلام على المرسل : لا عبرة بقول العوام لا وفاقا ولا خلافا . ا هـ .
وأقول : فعلى هذا من تصرف
إمام الحرمين ، وعبارة التقريب : قد بينا فيما سلف أن الذي دل عليه السمع صحة إجماع جميع الأمة ، وقد ثبت أن الأمة عامة وخاصة ، فيجب اعتبار دخول العامة والخاصة في الإجماع ،
وليس للخاصة إجماع على شيء يخرج منه العامة . قال :
والعامة مجمعة على أن حكم الله ما أجمعت عليه الخاصة ، وإن لم يعرفه عيانا .
فإن قيل : فإذا لم يكن العامة من أهل العلم بالدقائق والنظر ، فلا يكون لهم مدخل في الإجماع ، ولا بهم معتبر في الخلاف ؟ قلنا : كذلك نقول ، ويقول أكثر الناس . وإنما وجب سقوط الاعتبار بخلافهم لإجماع
سلف الأمة من أهل كل عصر على أنه حرام على عامة أهل كل عصر من أعصار المسلمين مخالفة ما اتفق عليه علماؤهم ، فوجب أن لا يعتبر بخلاف العامة لأجل هذا الإجماع السابق على منعهم من ذلك .
وجواب آخر : أنه لا يجب ترك الاعتبار بهم ; لأنهم مسلمون ، وبعض الأمة ، بل معظمها ، فوجب الاعتبار بخلافهم ، وثبت أن
ما أجمع عليه العلماء عينا وتفصيلا إجماع العامة ، وإن لم نعرفه عينا . فإن قيل : فما يقولون :
لو صار عامة الأمة في بعض الأعصار إلى مخالفة إجماع جميع العلماء وخطئهم ؟ هل يكون إجماع العلماء حجة ؟ قيل : لا يكون قولهم دون قول العامة إجماعا بجميع الأمة ; لأن العامة بعضهم ، لكن
[ ص: 412 ] العامة مخطئون في مخالفتهم ; لأنهم ليسوا من أهل العلم بحكم الله ، وأنه يحرم عليهم القول في دين الله بلا علم ، وليس خطؤهم من جهة مخالفة الإجماع ، إذ هم بعض الأمة . وجواب آخر : أنه لا يعتبر بخلاف العامة ، ولا بدخولهم في الإجماع ، لأجل ما قدمناه من
اتفاق سلف الأمة على تخطئة عامة أهل كل عصر في خلافهم على علمائهم ، فوجب سقوط الاعتبار بقول العامة . هذا كلامه ، وحاصله يرجع إلى إطلاق الاسم بمعنى أن
المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق " أجمعت الأمة " ، ويحكم به قول العوام فيهم تبعا ؟ nindex.php?page=showalam&ids=14958فالقاضي يقول : لا يصدق اسم الإجماع ، وإن كان ذلك لا يقدح في حجيته ، وهو خلاف لفظي في الحقيقة ، وليس خلافا في أن مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع ، ولهذا قال في " مختصر التقريب " بعدما سبق : فإن قال قائل :
فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام ، فهل يطلقون القول بأن الأمة مجمعة عليه ؟ قلنا : من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام ، كوجوب الصلاة والزكاة وغيرهما . فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه .
وأما
ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشتبه على العوام ، فقد اختلف أصحابنا في ذلك ، فقال بعضهم : العوام يدخلون في حكم الإجماع ، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام ، فقد عرفوا على الجملة أن
ما أجمع عليه علماء الأمة من تفاصيل الأحكام فهو مقطوع به ، فهذا مساهمة منهم في الإجماع ، وإن لم يعلموا مواقعه على التفصيل . ومن أصحابنا من زعم أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع ، فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها ، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من أهل الإجماع .
[ ص: 413 ] واعلم أن هذا خلاف مهول أمره ، ويرجع إلى العبارة المحضة ، والحكم فيه أنا إن أدرجنا العوام في حكم الإجماع المطلق ، أطلقنا القول بإجماع الأمة ، وإن لم ندرجهم في حكم الإجماع ، أو بدر من بعض طوائف العوام خلاف ، فلا يطلق القول بإجماع الأمة ، فإن العوام معظم الأمة . ا هـ . وما ذكره
القاضي ، وتابعه المتأخرون من رجوع الخلاف إلى كونه : هل يسمى إجماعا أم لا مع الاتفاق على كونه حجة ، مردود ، ففي " المعتمد "
nindex.php?page=showalam&ids=12915لأبي الحسين ما لفظه : اختلفوا في اعتبار
قول العامة في المسائل الاجتهادية ، فقال قوم : العامة وإن وجب عليها اتباع العلماء ، فإن إجماع العلماء لا يكون حجة على أهل العصر ، حتى لا يسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم العامة من أهل عصرهم ، فإن لم يتبعوهم لم يجب على أهل العصر الثاني من العلماء اتباعهم ، وقال آخرون : بل هو حجة اتبعهم علماء عصرهم أم لا . انتهى .
وفي المسألة ثالث : أنه يعتبر إجماعهم في العام دون الخاص ، حكاه
nindex.php?page=showalam&ids=14960القاضي عبد الوهاب ،
وابن السمعاني ، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة ، وينبغي تنزيل إطلاق المطلقين عليه . وخص
nindex.php?page=showalam&ids=12604القاضي أبو بكر الخلاف بالخاص ، وقال لا يعتبر خلافهم في العام اتفاقا ، وجرى عليه
الروياني في البحر " فقال : إن اختص بمعرفته العلماء كنصب الزكوات وتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها ، لم يعتبر وفاق العامة معهم ،
وإن اشترك في معرفته الخاصة والعامة كأعداد الركعات ، وتحريم بنت البنت ، فهل يعتبر إجماع العوام معهم ؟ فيه وجهان ، أصحهما : لا يعتبر ; لأن الإجماع إنما يصح عن نظر واجتهاد . والثاني : نعم ; لاشتراكهم في العلم به .
[ ص: 414 ] وقال
سليم :
إجماع الخاصة هل يحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة ؟ فيه وجهان . الصحيح أنه لا يحتاج إليهم .