ومثل ذلك بطل فقال أسجعا كسجع الأعراب ؟! وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم ، ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها فلرشاقة اللفظ تأثير فيه ؛ فهو لائق به فأما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم ، ولا باعث عليه إلا الرياء ، وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ، ويزجر عنه .
(الآفة السادسة) ( التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات) وهو ما يشبب به الشاعر في قصيدته من غزل وتعريض بالحب، وتحسين لها، وتزيينها بذكر النساء، (والمقدمات) مما يقدم بين يدي الدخول في الغرض من ذكر الأطلال والديار، وما سلف له في أيام الصبا والشبوبية، (وما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة) والشعر، (وكل ذلك من التصنع المذموم) في الشرع، (ومن التكلف الممقوت) أي: المبغوض (الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: nindex.php?page=hadith&LINKID=911786أنا وأتقياء أمتي برآء من التكلف ) ، أغفله العراقي ، وقال النووي : ليس بثابت. اهـ. وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=14269الدارقطني في الأفراد، من حديث nindex.php?page=showalam&ids=15الزبير بن العوام مرفوعا: nindex.php?page=hadith&LINKID=911786إلا أني بريء من التكلف، وصالحو أمتي . وسنده ضعيف، ويشهد لذلك ما رواه nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري عن nindex.php?page=showalam&ids=9أنس عن nindex.php?page=showalam&ids=2عمر رضي الله عنهما: nindex.php?page=hadith&LINKID=656749نهينا عن [ ص: 477 ] التكلف .
قلت: وروى الديلمي من حديث nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة : nindex.php?page=hadith&LINKID=689311 "شرار أمتي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون، وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا" . (وقالت فاطمة رضي الله عنها) وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: nindex.php?page=hadith&LINKID=944369 "شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام" ) ، رواه nindex.php?page=showalam&ids=13357ابن عدي nindex.php?page=showalam&ids=13933والبيهقي nindex.php?page=showalam&ids=13359وابن عساكر من طريق عبد الله بن الحسين عن أمه nindex.php?page=showalam&ids=129فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال العراقي : وفيه انقطاع. قلت: رواه nindex.php?page=showalam&ids=12455ابن أبي الدنيا ، عن إسماعيل بن إبراهيم الترجماني ، حدثنا علي بن ثابت عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن عبد الله بن حسن عن أمه nindex.php?page=showalam&ids=129فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعته، فذكره، وهذا السند لا انقطاع فيه، وقد تقدم الكلام عليه قريبا .
(وقال صلى الله عليه وسلم: nindex.php?page=hadith&LINKID=675915 "ألا هلك المتنطعون"، ثلاث مرات ) ، رواه nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم من حديث nindex.php?page=showalam&ids=10ابن مسعود ، وقد تقدم في كتاب العلم، وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=12455ابن أبي الدنيا عن أبي خيثمة ، والقواريري ، قالا: حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=17293يحيى القطان ، عن nindex.php?page=showalam&ids=13036ابن جريج أخبرني سليمان بن عتيق ، عن طلق بن حبيب عن nindex.php?page=showalam&ids=13669الأحنف بن قيس ، عن nindex.php?page=showalam&ids=10ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.. فذكره، ( والتنطع هو التعمق والاستقصاء ) ، وهو "تفعل" من النطع، وهو ما ظهر من غار الفم الأعلى، ( وقال nindex.php?page=showalam&ids=2عمر رضي الله عنه: إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان ) ، وشقاشق اللسان مستعار من شقاشق البعير، (وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص ) تقدم له ذكر، (إلى أبيه سعد) بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (يسأله حاجة، فتكلم بين يدي حاجته بكلام، فقال له سعد : ما كنت من حاجتك بأبعد منها اليوم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: nindex.php?page=hadith&LINKID=914400 "يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقر الكلأ بألسنتها ) ، أي: يتشدق الكلام بلسانه، كما تتشدق البقر، ووجه الشبه إدارة لسانه حول أسنانه وفمه، حال التكلم، كما تفعل البقرة بلسانها حال الأكل، وخص البقرة من بين البهائم; لأن سائرها تأخذ النبات بأسنانها، والبقرة لا تحتش إلا بلسانها، قال العراقي : رواه nindex.php?page=showalam&ids=12251أحمد ، وفيه من لم يسم، ومختصرا بإسناده nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم من حديث nindex.php?page=showalam&ids=19المغيرة بن شعبة ، nindex.php?page=showalam&ids=3وأبي هريرة ، وأصلهما عند nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري أيضا. اهـ. قلت: أخرجه nindex.php?page=showalam&ids=12455ابن أبي الدنيا عن nindex.php?page=showalam&ids=12508ابن أبي شيبة ، حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=15730حفص بن غياث عن nindex.php?page=showalam&ids=12428إسماعيل بن أبي خالد عن nindex.php?page=showalam&ids=17092مصعب بن سعد قال: جاء عمر بن سعد إلى أبيه، فسأله حاجة، فذكر الحديث كما عند المصنف، وأخرجه أيضا بهذا الإسناد في كتاب ذم الغيبة له، وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=12251أحمد nindex.php?page=showalam&ids=11998وأبو داود nindex.php?page=showalam&ids=13948والترمذي من حديث ابن عمرو : nindex.php?page=hadith&LINKID=102579إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها . وقال nindex.php?page=showalam&ids=13948الترمذي : حسن غريب، (وكأنه أنكر عليه ما قدم على الكلام من التشبيب، والمقدمة المصنوعة المتكلفة، وهذا أيضا من آفات اللسان، ويدخل فيه كل سجع متكلف، وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة) مما فيه تغرب وتدقيق وتعمق، (وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات ) والمخاطبات، (إذ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة في الجنين، فقال بعض قوم الجاني: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك دمه يطل) أي: يهدر، (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم: (أسجعا كسجع الأعراب؟!) رواه nindex.php?page=showalam&ids=11998أبو داود ، وقد تقدم في كتاب العلم (وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه) ظاهر لديه، (بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده) الذي هو بصدده، (ومقصود الكلام) إنما هو (التفهم للغرض) فقط، (وما وراء ذلك تصنع مذموم، ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة [ ص: 478 ] والتذكير) ، مما يوردها في وعظه للعامة والخاصة، ولكن (من غير إفراط وإغراب) وتعمق؛ (فإن المقصود منها تحريك القلوب) ، وجذبها (وتشويقها وقبضها) عن ميل الهوى، (وبسطها) في مجال الرضا، (فلرشاقة اللفظ) وقع عجيب، و (تأثير) غريب، (فيه؛ فهو لائق به) ومستثنى مما ذكر، (فأما المحاورات التي تجري) بين الناس (لقضاء الحاجات) وتيسير الأمور، (فلا يليق بها السجع) المتكلف، (والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم، ولا باعث عليه إلا الرياء، وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة) على الإخوان، (وكل ذلك يكرهه الشرع، ويزجر عنه) ، وفي كلام السلف تنبيه عليه لمن تأمل .