قوله تعالى :
ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ، بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر ، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر . وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ، ويختل فيه النطق والفكر ، وخص بالرذيلة ; لأنه حال لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد . بخلاف حال الطفولة ، فإنها حالة ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ; كقوله في سورة الحج :
ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا [ 22 \ 5 ] ، وقوله في الروم :
الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من [ ص: 410 ] بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة الآية [ 30 \ 54 ] ، وأشار إلى ذلك أيضا بقوله :
وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب [ 35 \ 11 ] ، وقوله في سورة المؤمن : ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون [ 40 \ 67 ] .
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة : باب قوله تعالى :
ومنكم من يرد إلى أرذل العمر [ 16 \ 70 ] ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=17173موسى بن إسماعيل ، حدثنا
هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور ، عن
شعيب ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=9أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=1007921أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو : " أعوذ بالله من البخل والكسل ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " ، اه . وعن
علي - رضي الله تعالى عنه - : أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وعن
قتادة : تسعون سنة . والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين ، وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص ; فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدنا وعقلا ، وأشد خرفا من آخر ابن تسعين سنة ، وظاهر قول
زهير في معلقته :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر
، ويدل له قول الآخر :
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقوله : "
لكيلا يعلم من بعد علم شيئا " [ 16 \ 70 ] ( أي يرد إلى أرذل العمر ، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب ، ويبقى لا يدري شيئا ; لذهاب إدراكه بسبب الخوف . ولله في ذلك حكمة .
وقال بعض العلماء : إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر ، ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات ) في قوله :
ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية [ 95 \ 5 - 6 ] .