فصل : وإن
قلع سن من لم يثغر فلا قصاص في الحال ولا دية ، لأنها من أسنان اللبن التي جرت العادة بنباتها بعد سقوطها ووجب الانتظار إلى أقصى المدة التي يقول أهل العلم بها من الطب أنها تنبت فيه ، فإن نبتت فلا قصاص فيها ولا دية ، لأن القصاص والدية إنما يجبان فيما يدوم ضرره وعينه ولا يجبان فيما يزول ضرره وشينه كالسن إذا نبتت وكاللطمة إذا آلمت ، لزوال ذلك وعوده إلى المعهود منه ، فإن كان قد
خرج مع سن اللبن حين قلعت دم نظر فيه فإن خرج من لحم العمور وجب فيه أرش ، كمن جرح في لحم بدنه فأنهر دمه ، وإن خرج من محل السن المقلوعة ففي وجوب الأرش وجهان حكاها
أبو حامد الإسفراييني :
أحدهما : لا يجب فيه أرش كمن لطم فرعف لم يجب فيه أرش .
والوجه الثاني : فيه الأرش ، لأنه قد قلع بقلعه ما اتصل به من عروق محله ومرابطه فلزمه الأرش ، وعلى مقتضى هذا التعليل يجب عليه الأرش وإن لم يخرج دم لقطع تلك المرابط والعروق .
فإن قيل به كان هذا الوجه الثاني أصح ، وإن لم يقل به كان الوجه الأول أصح ، والقول الثاني عندي أولى .
فإذا ثبت وجوب
الانتظار بالسن المقلوعة وقت نباتها لم يخل حال صاحبها من أحد أمرين :
إما أن يعيش إلى ذلك الوقت أو يموت قبله ، فإن عاش إليه لم يخل حال تلك السن المقلوعة من أحد أمرين :
[ ص: 190 ] إما أن تنبت أو لا تنبت ، فإن لم تنبت وجب فيها القصاص ، فإن عفا عنه فالدية تامة ، لأنه قلع سنا لم تعد فصارت كسن المثغور وإن نبتت فلها ثلاثة أحوال :
أحدها : أن تنبت كأخواتها في القد واللون ، فلا قود فيها ولا دية .
والحال الثانية : أن تنبت أقصر من أخواتها فالظاهر من قصرها أنه من قلع ما قبلها قبل أوانه فصار منسوبا إلى الجاني فيلزمه دية السن بقدر ما نقص من السن العائد ، فإن كان النصف فنصف ديتها ، وإن كان الثلث فثلثها .
والحال الثالثة : أن تنبت في قد أخواتها لكنها متغيرة اللون بخضرة أو سواد ، فالظاهر أنه من الجناية ، فيؤخذ الجاني بأرش تغييرها ، وإن مات المقلوع سنه قبل الوقت الذي قدره أهل العلم بالطب لعودها فلا قود فيها ، لأن الظاهر أنه لو بقي لعادت ، والقصاص حد يدرأ بالشبهة .
وأما الدية ففي استحقاقها وجهان :
أحدهما : يستحق ، لأن قلعها مستحق وعودها مع البقاء متوهم ، فلم يسقط بالظن حكم اليقين .
والوجه الثاني : لا يستحق الدية اعتبارا بالظاهر كما لم يجب القود اعتبارا به .