صفحة جزء
الباب الثاني

في المطلق الجائز الطلاق

- واتفقوا على أنه الزوج العاقل البالغ الحر غير المكره ، واختلفوا في طلاق المكره والسكران وطلاق المريض وطلاق المقارب للبلوغ .

واتفقوا على أنه يقع طلاق المريض إن صح ، واختلفوا هل ترثه إن مات أم لا ؟ .

فأما طلاق المكره : فإنه غير واقع عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وداود وجماعة ، وبه قال عبد الله بن عمر ، وابن الزبير ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس . وفرق أصحاب الشافعي بين أن ينوي الطلاق أو لا ينوي شيئا ، فإن نوى الطلاق فعنهم قولان : أصحهما لزومه ، وإن لم ينو فقولان : أصحهما أنه لا يلزم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : هو واقع . وكذلك عتقه دون بيعه ، ففرقوا بين البيع والطلاق والعتق .

وسبب الخلاف : هل المطلق من قبل الإكراه مختار أم ليس بمختار ؟ لأنه ليس يكره على اللفظ إذ كان اللفظ إنما يقع باختياره . والمكره على الحقيقة هو الذي لم يكن له اختيار في إيقاع الشيء أصلا . وكل واحد من الفريقين يحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . ولكن الأظهر أن المكره على الطلاق وإن كان موقعا للفظ باختياره أنه ينطلق عليه في الشرع اسم المكره لقوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .

وإنما فرق أبو حنيفة بين البيع والطلاق ، لأن الطلاق مغلظ فيه ، ولذلك استوى جده وهزله .

وأما طلاق الصبي : فإن المشهور عن مالك أنه لا يلزمه حتى يبلغ ; وقال في مختصر ما ليس في المختصر : أنه يلزمه إذا ناهز الاحتلام ، وبه قال أحمد بن حنبل إذا هو أطاق صيام رمضان . وقال عطاء : إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقه ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وأما طلاق السكران : فالجمهور من الفقهاء على وقوعه . وقال قوم : لا يقع ، منهم المزني وبعض أصحاب أبي حنيفة .

والسبب في اختلافهم : هل حكمه حكم المجنون ، أم بينهما فرق ؟ .

فمن قال هو والمجنون سواء ، إذ كان كلاهما فاقدا للعقل ; ومن شرط التكليف العقل قال : لا يقع . ومن قال : الفرق بينهما أن السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته ; والمجنون بخلاف ذلك، ألزم السكران الطلاق ، وذلك من باب التغليظ عليه .

واختلف الفقهاء فيما يلزم السكران بالجملة من الأحكام وما لا يلزمه ، فقال مالك : يلزمه الطلاق والعتق والقود من الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح ولا البيع . وألزمه أبو حنيفة كل شيء . وقال الليث : [ ص: 461 ] كل ما جاء من منطق السكران فموضوع عنه ، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ولا نكاح ولا بيع ولا حد في قذف ، وكل ما جنته جوارحه فلازم له ، فيحد في الشرب والقتل والزنى والسرقة . وثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان لا يرى طلاق السكران ، وزعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة .

وقول من قال : إن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه ليس نصا في إلزام السكران الطلاق لأن السكران معتوه ما ، وبه قال داود ، وأبو ثور ، وإسحاق وجماعة من التابعين ( أعني : أن طلاقه ليس يلزم ) . وعن الشافعي القولان في ذلك ، واختار أكثر أصحابه قوله الموافق للجمهور ، واختار المزني من أصحابه : إن طلاقه غير واقع .

وأما المريض الذي يطلق طلاقا بائنا ويموت من مرضه ، فإن مالكا وجماعة يقول : ترثه زوجته . والشافعي وجماعة لا يورثها .

والذين قالوا بتوريثها انقسموا ثلاث فرق :

ففرقة قالت : لها الميراث ما دامت في العدة ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري .

وقال قوم : لها الميراث ما لم تتزوج ، وممن قال بهذا أحمد ، وابن أبي ليلى .

وقال قوم : بل ترث كانت في العدة أو لم تكن ، تزوجت أم لم تتزوج ، وهو مذهب مالك ، والليث .

وسبب الخلاف : اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع ، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث . فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها ; ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا ، وذلك أن هذه الطائفة تقول : إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه ، لأنهم قالوا : إنه لا يرثها إن ماتت وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها ، ولا بد لخصومهم من أحد الجوابين ، لأنه يعسر أن يقال إن في الشرع نوعا من الطلاق توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية .

وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح ، لأن هذا يكون طلاقا موقوف الحكم إلى أن يصح أو لا يصح ، وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع ، ولكن إنما أنس القائلون به أنه فتوى عثمان وعمر ، حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة ، ولا معنى لقولهم فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور .

وأما من رأى أنها ترث في العدة ، فلأن العدة عنده من بعض أحكام الزوجية ، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية ، وروي هذا القول عن عمر ، وعن عائشة .

وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث زوجين ، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث .

واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق ، أو ملكها أمرها الزوج فطلقت نفسها ، فقال أبو حنيفة : لا ترث أصلا . وفرق الأوزاعي بين التمليك والطلاق فقال : ليس لها ميراث في التمليك ، ولها في الطلاق . وسوى مالك في ذلك كله ، حتى لقد قال : إن ماتت لا يرثها ، وترثه هي إن مات ، وهذا مخالف للأصول جدا .

التالي السابق


الخدمات العلمية