الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وهي أربع تكبيرات ) كل تكبيرة قائمة مقام ركعة ( يرفع يديه في الأولى فقط ) وقال أئمة بلخ في كلها ( ويثني بعدها ) وهو " سبحانك اللهم وبحمدك " ( ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ) كما في التشهد ( بعد الثانية ) لأن تقديمها سنة الدعاء ( ويدعو بعد الثالثة ) بأمور الآخرة والمأثور أولى ، [ ص: 213 ] وقدم فيه الإسلام مع أنه الإيمان لأنه منبئ عن الانقياد فكأنه دعاء في حال الحياة بالإيمان والانقياد ، وأما في حال الوفاة فالانقياد ، وهو العمل غير موجود ( ويسلم ) بلا دعاء ( بعد الرابعة ) تسليمتين ناويا الميت مع القوم ، ويسر الكل إلا التكبير زيلعي وغيره ، لكن في البدائع العمل في زماننا على الجهر بالتسليم . وفي جواهر الفتاوى : يجهر بواحدة

التالي السابق


( قوله : وقال أئمة بلخ في كلها ) وهو قول الأئمة الثلاثة ورواية عن أبي حنيفة كما في شرح درر البحار ، والأول ظاهر الرواية كما في البحر . وفي حاشيته للرملي : ربما يستفاد منه أن الحنفي إذا اقتدى بالشافعي فالأولى متابعته في الرفع ولم أره . ا هـ .

أقول : ولم يقل يجب لأن المتابعة إنما تجب في الواجب أو الفرض ، وهذا الرفع غير واجب عند الشافعي ; وما في شرح الكيدانية للقهستاني من أنه لا تجوز المتابعة في رفع اليدين في تكبيرات الركوع وتكبيرات الجنازة فيه نظر ; إذ ليس ذلك مما لا يسوغ الاجتهاد فيه بالنظر إلى الرفع في تكبيرات الجنازة ، لما علمت من أنه قال به البلخيون من أئمتنا ، وقد أوضحنا المقام في آخر واجبات الصلاة ، وقدمنا أيضا شيئا منه في صلاة العيدين ( قوله : وهو سبحانك اللهم وبحمدك ) كذا فسر به الثناء في شرح درر البحار وغيره ، وقال في العناية : إنه مراد صاحب الهداية لأنه المعهود من الثناء ، وذكر في النهر أن هذا رواية الحسن عن الإمام . والذي في المبسوط عن صاحب الرواية أنه يحمد الله . ا هـ .

أقول : مقتضى ظاهر الرواية حصول السنة بأي صيغة من صيغ الحمد ، فيشمل الثناء المذكور لاشتماله على الحمد ( قوله كما في التشهد ) أي المراد الصلاة الإبراهيمية التي يأتي بها المصلي في قعدة التشهد ( قوله : لأن تقديمها ) أي تقديم الصلاة على الدعاء سنة كما أن تقديم الثناء عليهما سنة أيضا ( قوله ويدعو إلخ ) أي لنفسه وللميت وللمسلمين لكي يغفر له فيستجاب دعاؤه في حق غيره ، ولأن من سنة الدعاء أن يبدأ بنفسه . قال تعالى { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا } جوهرة ، ثم أفاد أن من لم يحسن الدعاء بالمأثور يقول اللهم اغفر لنا ولوالدينا وله وللمؤمنين والمؤمنات ( قوله والمأثور أولى ) ومن المأثور : { اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا . اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان . اللهم اغفر [ ص: 213 ] له وارحمه وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار } " منح ، وثم أدعية أخر فانظرها في الفتح والإمداد وشروح المنية . [ تنبيه ]

المراد الاستيعاب ، فالمعنى اغفر للمسلمين كلهم ، فلا ينافي قوله وصغيرنا قوله الآتي ، ولا يستغفر لصبي : أي لا يقول اغفر له أفاده القهستاني ، والمراد بالإبدال في الأهل والزوجة إبدال الأوصاف لا الذوات { ألحقنا بهم ذريتهم } ولخبر الطبراني وغيره " { إن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين } " وفيمن لا زوجة له على تقديرها له أن لو كانت ولأنه صح الخبر بأن المرأة لآخر أزواجها : أي إذا مات وهي في عصمته وفي حديث رواه جمع لكنه ضعيف { المرأة منا ربما يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لأيهما هي ؟ قال : لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا } وتمامه في تحفة ابن حجر ( قوله وقدم فيه الإسلام ) أي في الدعاء المأثور كما مر .

اعلم أن الإسلام على وجهين : شرعي ، وهو بمعنى الإيمان . ولغوي ، وهو بمعنى الاستسلام والانقياد كما في شرح العمدة للنسفي ، فقول الشارح مع أنه الإيمان ناظر للمعنى الشرعي للإسلام ، وقوله لأنه منبئ ناظر إلى المعنى اللغوي له ، وقوله فكأنه دعاء في حال الحياة بالإيمان هو معنى الإسلام الشرعي ، وقوله والانقياد أي الذي هو معنى الإسلام اللغوي . ا هـ . ح ; وما ذكره الشارح مأخوذ من صدر الشريعة . والحاصل أن الإسلام خص بحالة الحياة ; لأنه المناسب لها بمعنييه الشرعي وهو الإيمان : أي التصديق القلبي ، واللغوي ، وهو الانقياد بالأعمال الظاهرة ، وخص الإيمان بحالة الموت لأنه المناسب لها ; إذ لا ينبئ عن العمل بل عن التصديق فقط ، ولا يمكن في حالة الموت سواه ( قوله : بلا دعاء ) هو ظاهر المذهب ، وقيل : يقول : اللهم آتنا في الدنيا حسنة إلخ ، وقيل - ربنا لا تزغ قلوبنا إلخ ، وقيل يخير بين السكوت والدعاء بحر ( قوله ناويا الميت مع القوم ) كذا في الفتح . وقال الزيلعي : ينوي بهما كما وصفنا في صفة الصلاة ، وينوي الميت كما ينوي الإمام ا هـ وظاهره أنه ينوي الملائكة الحفظة أيضا ، ثم رأيته صريحا في شرح درر البحار . وذكر في الخانية والظهيرية والجوهرة أنه لا ينوي الميت . قال في البحر : وهو الظاهر لأن الميت لا يخاطب بالسلام حتى ينوى به إذ ليس أهلا له ا هـ وأقره في النهر ، لكن قال الخير الرملي : إنه غير مسلم ، وسيأتي ما ورد في أهل المقبرة : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وتعليمه صلى الله عليه وسلم السلام على الموتى ا هـ ( قوله لكن في البدائع إلخ ) قد يقال : إن الزيلعي لم يرد دخول التسليم في الكلية المذكورة . والذي في البدائع : ولا يجهر بما يقرأ عقب كل تكبيرة لأنه ذكر ، والسنة فيه المخافتة ، وهل يرفع صوته بالتسليم ; لم يتعرض له في ظاهر الرواية . وذكر الحسن بن زياد أنه لا يرفع لأنه للإعلام ، ولا حاجة له لأن التسليم مشروع عقب التكبير بلا فصل ولكن العمل في زماننا على خلافه . ا هـ .




الخدمات العلمية