الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( والمسبوق ) ببعض التكبيرات لا يكبر في الحال بل ( ينتظر ) تكبير ( الإمام ليكبر معه ) للافتتاح لما مر أن كل تكبيرة كركعة ، والمسبوق لا يبدأ بما فاته . وقال أبو يوسف : يكبر حين يحضر ( كما لا ينتظر الحاضر ) في ( حال التحريمة ) بل يكبر اتفاقا للتحريمة ، - - [ ص: 217 ] لأنه كالمدرك ثم يكبران ما فاتهما بعد الفراغ نسقا بلا دعاء إن خشيا رفع الميت على الأعناق . وما في المجتبى من أن المدرك يكبر الكل للحال شاذ نهر ( فلو جاء ) المسبوق ( بعد تكبيرة الإمام لرابعة فاتته الصلاة ) لتعذر الدخول في تكبيرة الإمام . وعند أبي يوسف يدخل لبقاء التحريمة ، فإذا سلم الإمام كبر ثلاثا كما في الحاضر وعليه الفتوى ، ذكره الحلبي وغيره .

التالي السابق


( قوله : والمسبوق ) أي الذي لم يكن حاضرا تكبير الإمام السابق ط ( قوله ببعض التكبيرات ) صادق بالأقل والأكثر ط . أما المسبوق بالكل فيأتي حكمه ( قوله لا يكبر في الحال ) فلو كبر كما حضر ، ولم ينتظر لا تفسد عندهما ، لكن ما أداه غير معتبر ، كذا في الخلاصة بحر ، ومثله في الفتح . وقضية عدم اعتبار ما أداه أنه لا يكون شارعا في تلك الصلاة ، وحينئذ فتفسد التكبيرة مع أن المسطور في القنية أنه يكون شارعا ، وعليه فيعتبر ما أداه ، وهذا لم أر من أفصح عنه فتدبره نهر .

وأجاب الحموي في شرح الكنز بأنه لا يلزم من عدم اعتباره عدم شروعه ، ولا من اعتبار شروعه اعتبار ما أداه ; ألا ترى أن من أدرك الإمام في السجود صح شروعه مع أنه لا يعتبر ما أداه من السجود مع الإمام بل عليه إعادته إذا قام إلى قضاء ما سبق به فلا مخالفة بين ما في الخلاصة والقنية ا هـ لكن فيه أن تكبيرة الافتتاح هنا بمنزلة ركعة ، فلو صح شروعه بها يلزم اعتبارها ، إلا أن يقال : إن لها شبهين كما مر فنصحح شروعه بها من حيث كونها شرطا ، ولا نعتبرها في تكميل العدد من حيث شبهها بالركعة ، فلذا قلنا : يصح شروعه بها ، ويعيدها بعد سلام إمامه ، والله أعلم ( قوله : والمسبوق إلخ ) هو من تتمة التعليل : أي فلو كبر ولم ينتظر لكان كالمسبوق الذي شرع في قضاء ما سبق به قبل الفراغ من الاقتداء ط ( قوله وقال أبو يوسف إلخ ) قال في النهاية : تفسير المسألة على قوله أنه لما جاء وقد كبر الإمام تكبيرة الافتتاح كبر هذا الرجل للافتتاح ، فإذا كبر الإمام الثانية تابعه فيها ، ولم يكن مسبوقا .

وعندهما لا يكبر للافتتاح حين يحضر بل ينتظر حتى يكبر الإمام الثانية ، ويكون هذا التكبير تكبير الافتتاح في حق هذا الرجل فيصير مسبوقا بتكبيرة يأتي بها بعد سلام الإمام ا هـ ( قوله كما لا ينتظر الحاضر إلخ ) أفاد بالتشبيه أن مسألة الحاضر اتفاقية ; ولذا قال : بل يكبر أي الحاضر اتفاقا ، والمراد به من كان حاضرا وقت تحريمة الإمام في محل يجزئه فيه الدخول في صلاة الإمام كما يأتي عن المجتبى : أي بأن كان متهيئا للصلاة كما يفيده قول الهندية عن شرح الجامع لقاضي خان ، وإن كان مع الإمام فتغافل ولم يكبر معه ، أو كان في النية بعد فأخر التكبير فإنه يكبر ، ولا ينتظر تكبير الإمام الثانية في قولهم لأنه لما كان مستعدا جعل بمنزلة المشارك . ا هـ . ( قوله : في حال التحريمة ) مفهومه أنه لو فاتته التحريمة ، وحضر في حالة التكبيرة الثانية مثلا لا يكون مدركا لها بل ينتظر الثالثة ويكون مسبوقا بتكبيرتين لا بواحدة [ ص: 217 ] عندهما ، لكن الظاهر أن التحريمة غير قيد لما سيأتي فيما لو كبر الأربع والرجل الحاضر فإنه يكون مدركا لها ، ويؤيده التعليل المار عن قاضي خان والآتي عقبه عن الفتح تأمل ( قوله : لأنه كالمدرك ) قال في فتح القدير : يفيد أنه ليس بمدرك حقيقة بل اعتبر مدركا لحضوره التكبير دفعا للحرج ; إذ حقيقة إدراك الركعة بفعلها مع الإمام ، ولو شرط في التكبير المعية ضاق الأمر جدا ; إذ الغالب تأخر النية قليلا عن تكبير الإمام فاعتبر مدركا لحضوره . ا هـ . ( قوله ثم يكبران إلخ ) أي المسبوق والحاضر ، وقوله : ما فاتهما فيه خفاء لأن المراد بالحاضر في كلامه الحاضر في حال التحريمة ، فإذا أتى بها لم يفته شيء إلا أن يراد ما إذا حضر أكثر من تكبيرة فكبر واحدة فإنه يكبر بعد السلام ما فاته على ما سيأتي تأمل . واحترز عن اللاحق كأن كبر مع الإمام الأولى دون الثانية والثالثة فإنه يكبرهما ثم يكبر مع الإمام الرابعة كما في الحلية والنهر .

هذا ، وفي نور الإيضاح وشرحه أن المسبوق يوافق إمامه في دعائه لو علمه بسماعه ا هـ ولم يذكر ما إذا لم يعلم ، وظاهر تقييده الموافقة بالعلم أنه إذا لم يعلم بأن لم يعلم أنه في التكبيرة الثانية أو الثالثة مثلا يأتي به مرتبا : أي بالثناء ثم الصلاة ثم الدعاء تأمل ( قوله نسقا ) بالتحريك : أي متتابعة . وفي بعض النسخ تترى ، وهو بمعناه ( قوله على الأعناق ) مفهومه أنه لو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأعناق أنه لا يقطع التكبير بل يكبر ، وهو ظاهر الرواية ، وعن محمد إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر ، وإلا فلا معراج ، ومثله في البزازية والفتح .

ويخالفه ما في البحر عن الظهيرية أنها لو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف لا يكبر في ظاهر الرواية ، لكن قال في الشرنبلالية : وينبغي أن يعول على ما في البزازية ، ولا يخالفه ما يأتي من أنها لا تصح إذا كان الميت على أيدي الناس لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء . ا هـ . ( قوله وما في المجتبى من أن المدرك ) أي الحاضر ، وسماه مدركا لأنه بمنزلته كما مر . وعبارة المجتبى : رجل واقف حيث يجزيه الدخول في صلاة الإمام فكبر الإمام الأولى ولم يكبر معه فإنه يكبر ما لم يكبر الإمام الثانية ، فإن كبر كبر معه وقضى الأولى في الحال وكذا إن لم يكبر في الثانية والثالثة والرابعة يكبر ويقضي ما فاته في الحال . ا هـ . ( قوله شاذ ) لمخالفته ما نص عليه غير واحد من أنه يكبر ما فاته بعد سلام الإمام أفاده في النهر ( قوله فلو جاء إلخ ) هذا ثمرة الخلاف بينهما ، وبين أبي يوسف كما في النهر ( قوله لتعذر الدخول إلخ ) لما مر أن المسبوق ينتظر الإمام ليكبر معه وبعد الرابعة لم يبق على الإمام تكبير حتى ينتظره ليتابعه فيه . قال في الدرر : والأصل في الباب عندهما أن المقتدي يدخل في تكبيرة الإمام فإذا فرغ الإمام من الرابعة تعذر عليه الدخول . وعند أبي يوسف يدخل إذا بقيت التحريمة كذا في البدائع . ا هـ . ( قوله كما في الحاضر ) أي في وقت التكبيرة الرابعة فقط أو التكبيرات كلها ولم يكبرها مع الإمام ، وأشار بالتشبيه تبعا للبدائع إلى أن مسألة الحاضر اتفاقية ، وفيه كلام يأتي ( قوله وعليه الفتوى ) أي على قول أبي يوسف في مسألة المسبوق خلافا لما مشى عليه في المتن ( قوله ذكره الحلبي وغيره ) عبارة الحلبي [ ص: 218 ] في شرح المنية : إن جاء بعد ما كبر الرابعة فاتته الصلاة عندهما . وعند أبي يوسف يكبر ، فإذا سلم الإمام قضى ثلاث تكبيرات . وذكر في المحيط أن عليه الفتوى ا هـ .

قلت : وذكر أيضا في الفتاوى الهندية عن المضمرات أنه الأصح وعليه الفتوى ، لكن ما مشى عليه في المتن صرح في البدائع بأنه الصحيح ، ومثله في الدرر وشرح المقدسي ونور الإيضاح ، نعم نقل في الإمداد عن التجنيس والولوالجية أن ذلك رواية عن أبي حنيفة ، وأن عند أبي يوسف يدخل في الصلاة وعليه الفتوى ، قال : فقد اختلف التصحيح . [ تنبيه ]

هذا كله في المسبوق ، وأما الحاضر وقت التكبيرة الرابعة فإنه يدخل ، وقد أشار الشارح كالبدائع إلى أنه بالاتفاق كما قدمنا ، وبه صرح في النهر ، وهو ظاهر عبارة المجتبى التي قدمناها . لكن في البحر عن المحيط لو كبر الإمام أربعا ، والرجل حاضر ، فإنه يكبر ما لم يسلم الإمام ويقضي الثلاث ، وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى . وروى الحسن أنه لا يكبر وقد فاتته ا هـ .

أقول : لكن المفهوم من غالب عباراتهم أن عدم فوات الصلاة في الحاضر متفق عليه بين أبي يوسف وصاحبيه وأن الفوات رواية الحسن عن أبي حنيفة وأن المفتى به عدم الفوات ، وهذا هو المناسب ، لما مر من تقرير أقوالهم : أما على قول أبي يوسف فظاهر لأن المسبوق عنده لا تفوته الصلاة فالحاضر بالأولى . وأما على قولهما فلما صرح به في الهداية وغيرها من أن الحاضر بمنزلة المدرك عندهما ، وهذا حاضر وقت الرابعة فيكبرها قبل سلام الإمام ثم يقضي الثلاث لفوات محلها ، وحينئذ فما في المحيط من قوله : وهذا قول أبي يوسف لا يلزم منه أن يكون قولهما بخلافه ، بل قولهما كقوله بدليل أنه قابله برواية الحسن فقط ، وإلا كان المناسب مقابلته بقولهما ، ولذا لم يعزه في الخانية والولوالجية وغاية البيان إلى أبي يوسف ، بل أطلقوه وقابلوه برواية الحسن بل زاد في غاية البيان بعد ذلك . وعن أبي يوسف أنه يدخل معه فأفاد أن قول أبي يوسف كقولهما ، وأن المخالفة في رواية الحسن فقط .

[ تنبيه ]

نقل في البحر عبارة المحيط السابقة ، ثم قال : فما في الحقائق من أن الفتوى على قول أبي يوسف إنما هو في مسألة الحاضر لا المسبوق . وقد يقال : إنه إذا كان حاضرا ، ولم يكبر حتى كبر الإمام ثنتين أو ثلاثا فلا شك أنه مسبوق وحضوره من غير فعل لا يجعله مدركا فينبغي أن يكون كمسألة المسبوق ، وأن يكون الفرق بين الحاضر وغيره في التكبيرة الأولى فقط كما لا يخفى . ا هـ .

وأقول : إن ما في الحقائق محمول على مسألة المسبوق ، لما مر من أن المخالف فيها أبو يوسف ، وأن الفتوى على قوله . وأما مسألة الحاضر فإنها وفاقية كما علمته . وأما قوله : وقد يقال إلخ فحاصله أنه لا تحقق لمسألة الحاضر إلا فيمن حضر وقت التكبيرة الأولى فكبرها قبل أن يكبر الإمام الثانية . أما لو تشاغل حتى كبر الإمام الثانية أو أكثر فهو مسبوق لا حاضر ، وفيه نظر ظاهر ; فإنه إذا كان حاضرا حتى كبر الإمام تكبيرتين مثلا يكون مدركا للثانية فله أن يكبرها قبل أن يكبر الإمام الثالثة ويكون مسبوقا بالأولى فيأتي بها بعد سلام الإمام فسبقه بها لا ينافي كونه حاضرا في غيرها ، يدل على ذلك ما نقله في البحر عن الواقعات من أنه إن لم يكبر الحاضر حتى كبر الإمام [ ص: 219 ] ثنتين كبر الثانية منهما ، ولم يكبر الأولى حتى يسلم الإمام لأن الأولى ذهب محلها فكانت قضاء ، والمسبوق لا يشتغل بالقضاء قبل فراغ الإمام ا هـ فانظر كيف جعله حاضرا ومسبوقا ; إذ لو كان مسبوقا فقط لم يكن له أن يكبر الثانية بل ينتظر تكبير الإمام الثالثة كما مر ، فاغتنم تحرير هذا المقام




الخدمات العلمية