الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              4298 4574 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى [النساء: 3]. فقالت يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية فأنزل الله ويستفتونك في النساء [النساء: 3] قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: وترغبون أن تنكحوهن [النساء: 3] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء، إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. [انظر: 2494 - مسلم: 3018 - فتح: 8 \ 239]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              يعني: (اثنين) وثلاثا وأربعا، ولا تجاوز العرب رباع، يعني:

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 195 ] لا تقول: خماس ولا سداس، وتبع في ذلك أبا عبيدة ، وقد ذكر الطبري أن العشرة يقال فيها: عشار، ولا يسمع إلا في بيت الكميت فقط.


                                                                                                                                                                                                                              فلم يستريثوك حتى رميـ ـت فوق (الرجال) خصالا عشارا



                                                                                                                                                                                                                              يريد: عشرا.

                                                                                                                                                                                                                              وعن خلف الأحمر أنه أنشد أبياتا غريبة فيها: من خماس إلى عشار، ومن قال: معنى مثنى وثلاث ورباع : تسع، وأن الواو جامعة، وقاس على التنازع، فغير معتد به ولا يصح في اللغة؛ لأن معنى مثنى عند العرب اثنين للاثنين فقط، وأيضا فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون تسعا لأن لفظ التسع يقصر في مثنى وثلاث ورباع، وأيضا فلو كان كذلك لما حل إلا زواج تسع أو واحدة، ومدعي الأول الرافضة وطائفة من أهل الظاهر. وحديث غيلان السائر: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" يرده، وعليه عمل الصحابة والتابعين، وذلك من خصائصه، وما يروي الرافضة عن علي - رضي الله عنه - أو غيره من السلف فغير معروف.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 196 ] وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسكا بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، وهو عجيب، وقد وافق ابن حزم الجمهور فقال في كتابه: لا يحل لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة إماء وحرائر، أو بعضهن حرائر وبعضهن إماء. ولم يذكر فيه خلافا، واستدل بحديث غيلان السالف، فإن قيل: إن معمرا أخطأ فيه فأسنده.

                                                                                                                                                                                                                              قلنا: من ادعى ذلك فعليه البرهان، وهو ثقة مأمون.

                                                                                                                                                                                                                              قال: وإن لم يختلف في عدم جواز أكثر من ذلك أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام.

                                                                                                                                                                                                                              واستدل بعض المالكية بمطلق هذه الآية على استواء الحر بالعبد في ذلك، وهو المشهور عن مالك كما قاله ابن رشد، وهو قول ابن حزم، وأباه أبو حنيفة والشافعي فاقتصرا على اثنتين.

                                                                                                                                                                                                                              (ص): ((قواما) قوامكم من معايشكم).

                                                                                                                                                                                                                              أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، قرأه ابن عمر بكسر القاف، وعيسى بن عمر بفتحها.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 197 ] وخطأه في ذلك أبو حاتم السجستاني ، والمراد: ما يقوم بأمركم. كأنه أتى به على الأصل فقلبت الواو بالكسرة التي قبلها وهو التلاوة، ثم أثبتت الألف وحذفت، وإثباتها يليق به التفسير المذكور هنا.

                                                                                                                                                                                                                              (ص): ( لهن سبيلا : الرجم للثيب والجلد للبكر). أسنده ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                              (ص): (وقال ابن عباس : يستنكف : يستكبر). أسنده ابن أبي حاتم عنه أيضا. قال الزجاج : هو مأخوذ من نكف الدمع إذا أنحيته بإصبعك عن خدك. وقال أبو عمرو : استنكف من الأمر، ونكف بكسر الكاف. كأنك أنفت منه.

                                                                                                                                                                                                                              ثم ساق البخاري حديث ابن جريج عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيهوإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى [النساء: 3] أحسبه كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 198 ] وحديث الزهري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية. قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره … الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف في الوصايا واضحا. قال الإسماعيلي في حديث هشام : هذا المتن وعامة من روى هذا عن هشام فإنه مضطرب. وهذا تفسير قوله: اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن أشبه من أن يكون تفسيرا لقوله: ألا تقسطوا في اليتامى .

                                                                                                                                                                                                                              وحديث حجاج عن ابن جريج في تأويل الآية أشبه بما ساقه؛ لأنها قالت: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة وهي ذات مال، فلعله ينكحها على مالها وهو لا يعجبه شيء من أمورها، ثم يضربها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك. وقد روي في تأويلها عن ابن عباس ، كما روي عن عائشة وعن عكرمة -فيما حكاه الطبري : كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة والأيتام فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام، فنزلت.

                                                                                                                                                                                                                              وعن ابن عباس قال: قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى. وعنه أيضا قال: كان الرجل يتزوج بمال اليتيم بما شاء الله، فنهي عن ذلك. وعن سعيد بن جبير : كان الناس على جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، فذكروا اليتامى فنزلت، فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك، فخافوا أن لا تقسطوا في النساء:.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 199 ] وقال أبو محمد الذي ذكره أنه يتلى عليهم في الكتاب وهو قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى وقيل: الفرائض التي فرضت لهن بطريق الميراث. وقال الطبري : كانوا يشددون في اليتامى ولا يشددون في النساء؛ ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فقال تعالى: كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا في النساء: وانكحوا واحدة إلى أربع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة وكذا قال قتادة وابن جبير وابن عباس . وعن الحسن: أي: ما حل لكم من يتاماكم قراباتكم مثنى … إلى آخره.

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              الخوف في الآية: الظن. وقيل: العلم. وتقسطوا: تعدلوا. وقسط بمعنى جار. وقوله تعالى: ذلكم أقسط عند الله أي: أعدل. ولعله بما جاء من الرباعي.

                                                                                                                                                                                                                              واليتيم في بني آدم من فقد أباه، ومن البهائم من فقد أمه و(ما) أصلها لما [لا] يعقل، وقد تجيء بمعنى (الذي) فتطلق على من يعقل كما هنا، وأبعد من قال: المراد بهاهنا الفضل؛ لقوله بعد ذلك: من النساء مبينا. و طاب : حل، قال تعالى: أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وقيل: طاب وهنا بمعنى: المحبة والاشتهاء.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 200 ] فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              (العذق) في حديث عائشة فسره الداودي بالحائط، والذي قاله أهل اللغة أنه بالفتح: النخلة وبالكسر: الكاسة، وهو ما في أكثر النسخ.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قول عائشة في تفسير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإنه محل النظر، أي: وإن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا.

                                                                                                                                                                                                                              وعن مجاهد : إن خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى وتحرجتم أن تلوا أموالهم فتحرجوا من الزنا، فانكحوا ما طاب لكم : أي: حل كما سلف.

                                                                                                                                                                                                                              وقولها في الآية الأخرى: وترغبون أن تنكحوهن أي: (عن) أو (في) وهذا إذا كانت كثيرة المال، وتأولها سعيد بن جبير على الوجهين في الملية وعن المعدمة.

                                                                                                                                                                                                                              وقول عائشة : (إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية: أي: وإن خفتم - فأنزل: ويستفتونك في النساء قالت: وقول الله في آية أخرى: وترغبون أن تنكحوهن فهو في هذه الآية بمعنى يستفتونك إلا أن يراد به: بعد أن خفتم، وفيه بعد.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه من الفقه صداق المثل.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: أن غير اليتيمة لها أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه إنما خرج ذلك في اليتامى.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 201 ] وفيه: أن لمولى اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك والشافعي .

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قال مثل قول عائشة في الآية ابن عباس . وفيه: تزويجهن قبل البلوغ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقيل: اليتامى في الآية البالغات؛ احتجاجا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه: "واليتيمة تستأمر في نفسها" لا يكون ذلك إلا بعد البلوغ وستكون لنا عودة إلى ذلك في النكاح إن شاء الله.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية