أنفعل إذا صرخ عليّ أحد وتسوء علاقتي به، فكيف أتخلص من ذلك؟

0 22

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة علم، وأحمد الله أني ملتزمة دينيا، أحفظ ما تيسر من القرآن، وأغض بصري، ومنتقبة بفضل الله وعونه. أكون جيدة مع جميع الناس، والجميع يحبني، لكني أكره نفسي؛ لأن علاقتي ليست الأفضل مع أهلي. لا أستطيع أن أتمالك نفسي إذا صرخ علي أحد، وأقر أن هذا خطأ كبير، فالإنسان الذي ليس فيه خير لأهله فلا خير فيه للناس.

فكيف لي أن أكون راقية مع أهلي؟ علما أننا كنا نعيش وفق وضع متفكك، وقليلا ما كنا نجلس مع بعضنا، والآن الوضع قد ترابط، ونجلس مع بعضنا كثيرا، والله إنني لأحزن عندما أغضب أمي، وأكره وأبغض نفسي عندما أراها غاضبة.

قسمت الأعمال المنزلية بيني وبين أخواتي، وأنا أنهي أعمالي دائما، لكنها تغضب لأشياء أجهلها، عندما أسألها كيف أرضيك ولماذا أنت غاضبة، تقول لي: تستطيعين التعامل مع الجميع إلا معي، اسألي الإنترنت والكتب وسيعطونك الجواب!

فأرجو منكم أن تشيروا علي ماذا أفعل؟ وكأنكم تريدون نصح ابنتكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زينة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب.

بداية: نسأل الله أن يزيدك توفيقا وهداية، ويفتح لك أبواب الخير.
أختي الفاضلة: سؤالك ينم عن صدقك في طلب الهداية، وحرصك على البر بأهلك، وهذا في حد ذاته دليل على قلبك الطيب ونفسك اللوامة التي تدفعك للخير.

وللإجابة عن هذا السؤال تحتاجين إلى توضيح بعض المفاهيم والتأكيد عليها:
أولا: التدين الحق، فالكثير يظن أن التدين مجرد ممارسة الشعائر والعبادات والاكتفاء بذلك، ولكن التدين الحق هو في تأثير وانعكاس هذه العبادات على أخلاق الإنسان وسلوكه، فالصلاة مثلا عبادة، لكن لها أثر في أخلاق الإنسان وسلوكه، كما قال تعالى: (إن ٱلصلوٰة تنۡهىٰ عن ٱلۡفحۡشآء وٱلۡمنكر)، ولابد لأي إنسان أن يحاسب نفسه؛ هل أثرت فيه العبادات؟ فإن لم يجد الأثر، عليه أن يسعى مجتهدا لتحقيق أثر العبادة حتى لا تضيع الحسنات والأجور في حقوق الآخرين وظلم الناس، وحتى لا يكون فيه شبه من عمل المنافقين، وقد كان رسول الله ﷺ عظيم العبادة، وفي نفس الوقت كان قرآنا يمشي على الأرض بأخلاقه واتباعه لتعاليم ربه.

ثانيا: فقه الأولويات وأهمية بر الوالدين والإحسان إلى الأهل. فالله تعالى أمر ببر الوالدين وجعل ذلك من أعظم القربات، حتى إنه قرن طاعته ببرهما في مواضع كثيرة من القرآن، فقال سبحانه: (وقضىٰ ربك ألا تعۡبدوا إلآ إياه وبٱلۡوٰلديۡن إحۡسٰنا)، ولابد أن يكون الشخص المتدين فقيها في فهم الأولويات؛ فلا يقدم سنة على فرض، ولا يقع في كبيرة بسبب حرصه على نافلة.

وعقوق الوالدين من الكبائر بلا شك، ومن أعظم ما يفسد عمل الإنسان في الدنيا قبل الآخرة إذا لم يتب منه، وقد جعل النبي ﷺ حسن الخلق مع الأهل من أعظم علامات الخيرية، فقال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، رواه الترمذي.

لذلك أختي الفاضلة، أنت مأجورة على هذا الحرص والنية الصادقة لتحسين علاقتك مع والدتك وأهلك، فلا تدخلي نفسك في حالة من الاضطراب النفسي والقلق؛ حتى تتمكني من علاج بعض المشكلات وتحقيق النتائج الإيجابية.

أما كيفية تحقيق الرقي في التعامل مع الأهل عموما وأمك، فنقدم لك بعض النصائح، ونسأل الله أن يوفقك للعمل بها:
الأول: التودد والدعاء لوالدتك، أظهري لها حبك بالكلام والأفعال، قولي لها عبارات مثل: "أحبك يا أمي" و" رضاك عندي أهم من أي شيء"، وداومي على الدعاء لها بظهر الغيب، فالدعاء وحسن العبارات يلين القلوب، واحرصي على تجنب ردود الفعل الغاضبة والمواجهة أثناء الغضب والمشاكل فهي تزيد التوتر.

الثاني: الصبر والتحكم في النفس، فالصبر هو مفتاح تحسين العلاقات، والله وعد الصابرين بأجر عظيم، فقال: (وٱصۡبرۡ وما صبۡرك إلا بٱللهۚ)، فعندما تغضب والدتك، أو ترفع صوتها، اصمتي ولا تبادري بالرد، أو حتى الدفاع عن نفسك، ولا تظني هذا ضعفا، فقد قال تعالى: (وٱخۡفضۡ لهما جناح ٱلذل من ٱلرحۡمة)، فالذل للوالدين ليس خضوعا، وإنما من باب الرحمة والتوقير والاحترام، وذكري نفسك دائما أن رضاها مفتاح رضا الله، واحتسبي الأجر والثواب.

الثالث: التواصل والحوار بحكمة ومودة، في اللحظات التي تكونين فيها مع والدتك في لحظات هدوء وسعادة، احرصي على مناقشة بعض المواقف بهدوء، دون إثارتها، ومن باب التوضيح وليس المحاسبة، لتبيني لها أنك لا تريدين إلا الخير، فقد تكون الكثير من المواقف مجرد سوء ظن، أو تسرع يثيره الشيطان ليزرع الشقاق بينكما.

الرابع: الإكثار من الأعمال التي تسعدها، وهذه النقطة مهمة؛ فالحب ليس مجرد أقوال فقط؛ لذلك ابحثي عن الأمور التي تفرحها، وحاولي القيام بها، قد يكون ذلك في صورة هدية بسيطة، أو مساعدة إضافية في المنزل، أو حتى مشاركتها في الحديث والاستماع إليها بإنصات، وفي نفس الوقت ابتعدي عن كل ما يزعجها أو يسبب لها الغضب.

الخامس: التعامل مع الأخطاء والزلات، لا تحملي نفسك فوق طاقتها إذا أخطأت، كل إنسان يخطئ، لكن المؤمن يتوب ويصلح، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي، فإذا غضبت أو أخطأت، سارعي إلى الاعتذار، الاعتذار لا ينقص من قدرك، بل يرفع منزلتك عند الله والناس، وهذا له دور في راحتك النفسية.

أختي الفاضلة: اجتهدي في أن تكون لديك مبادرات للخروج من الروتين الأسري، فهذا الروتين ربما يخلق ازدواجية في التعامل داخل الأسرة وخارجها بسبب كثرة الاعتياد والمداومة، لذلك، ربما تكون بعض الأنشطة والفعاليات تساهم في التغيير كرحلة عائلية، أو أنشطة دعوية، أو دروس تعليمية، أو زيارات عائلية مفيدة ووسيلة جيدة لكسر حاجز الروتين الممل داخل الأسرة، وخلق أجواء من المرح والسعادة والتجديد.

أختي الفاضلة: تذكري دائما قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رضا الله في رضا ٱلۡوٰلد، وسخط ٱلله في سخط ٱلۡواٰلد) رواه الترمذي.

واجتهدي أن يكون شعارك "سأجتهد في بر أمي؛ لأنني أطلب رضا الله وكرمه"، وتذكري أن كثرة العلم مع عدم استقامة النفس والسلوك ستكون حجة عليك لا لك بين يدي الله تعالى، فالعلماء هم أكثر الناس خشية لله، واتباعا لأمره، واجتنابا لنهيه.

أخيرا: أختي الفاضلة: أكثري من الدعاء والتضرع لله تعالى أن يعينك على بر والدتك واستمالة قلبها، فالله كريم مجيب الدعاء.

أسأل الله أن يرزقك الحكمة والصبر.

مواد ذات صلة

الاستشارات