الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

متى تعترف أمريكا بالفلسطينيين؟

متى تعترف أمريكا بالفلسطينيين؟

متى تعترف أمريكا بالفلسطينيين؟

بات واضحاً أن شعار "التغيير" الذي رفعه باراك أوباما في حملته الانتخابية الرئاسية كان يتعلق بالداخل الأمريكي وليس بالخارج العالمي، لاسيما ما له صلة بفلسطين والفلسطينيين. من يعوزه الدليل، فليقرأ ما صرح به أخيراً الناطق باسم البيت الأبيض روبرت غيبس. فقد دعا، في معرض تأكيد حرص رئيسه على "المشاركة بقوة في سلام دائم للشرق الأوسط"، "حماس" و"حزب الله" إلى "أن يعترفا ب"إسرائيل" ويتخليا عن العنف قبل أن توافق الحكومة الأمريكية على محاورتهما".

سلفه جورج دبليو بوش كان سبقه إلى عدم الاعتراف بحركة "حماس" بعد فوزها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني سنة 2006، بل ربما بسبب فوزها، كما لم تعترف إدارته بحكومة الوحدة الوطنية التي أعقبت مؤتمر مكة المكرمة لمجرد أن رئيسها إسماعيل هنية هو أحد أركان "حماس".

موقف بوش وأوباما هذا يؤكد مدى نفاق أمريكا في مسألة الديمقراطية. ف"حماس" فازت في انتخابات ديمقراطية شهد بصحتها العالم أجمع. وحكومة هنية كانت تألفت نتيجة اتفاق جميع الفصائل الفلسطينية عقب مؤتمر مكة المكرمة.

إن إصرار إدارة أوباما على عدم الاعتراف ب"حماس"، خصوصاً بعد نجاحها في دحر هجمة "إسرائيل" الوحشية الأخيرة على غزة، يلقي ظلالاً من الشك على مدى دعمها "عملية السلام" في المنطقة والتزامها شعار "دولتين لشعبين".

الغريب أن إصرار إدارة أوباما على عدم الاعتراف ب"حماس" و"حزب الله" جاء مباشرة بعد إعلان بريطانيا اعترافها بإجراء اتصالات مع الجناح السياسي ل"حزب الله" وجنوحها نحو التعامل مع أي حكومة ائتلافية تتفق الفصائل الفلسطينية على تأليفها.

أكثر من ذلك: مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في عهد جورج بوش الأب الجنرال برنت سكوكروفت قال أخيراً إن "مفتاح تغيير المناخ النفسي في المنطقة هو من خلال تحريك المسار الفلسطيني "الإسرائيلي" قبل أي شيء آخر"، وأن على مبعوث إدارة أوباما إلى المنطقة السناتور السابق جورج ميتشل أن "يضع توصياته في وقت مبكر، وأن يخرج بمبادرة متكاملة للحل وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة سابقاً. وأكد أن "الأولوية هي للدفع بعملية السلام لأن "حماس" لا تريد أن تكون وحيدة إذا أحرزنا تقدماً. وعندما تعطي "حماس" إشارة إلى أنها تريد دوراً في المفاوضات، يجب أن نكون مستعدين للانخراط معها".

ثم، إذا كان أوباما جاداً في تحريك "عملية السلام" وتحقيق حل دولتين لشعبين، فما معنى رفضه الاعتراف ب"حماس" حتى بعد أن تتوصل الفصائل الفلسطينية كافة، برعاية مصر، إلى اتفاق متكامل حول مختلف القضايا العالقة بما فيها مسألة تأليف حكومة وطنية لإدارة المفاوضات حول حل الدولتين؟

كان الأمر ليهون (في نظر بعض الفصائل الفلسطينية والدول العربية المعتدلة) لو أن اشتراط الاعتراف ب"إسرائيل" ونبذ العنف جاء مترافقاً مع اعتراف "إسرائيل" ب"حماس" أو مصحوباً، على الأقل، بموافقة حكومة بنيامين نتنياهو المقبلة على "مبادرة السلام العربية"، وحل "دولتين لشعبين"، ووقف الاستيطان والتفاوض على القدس. أما وان نتنياهو يرفض البحث في كل هذه الأمور ويعلن جهاراً نهاراً أن ليس في جعبته إلا مبادرة واحدة هي "تنمية الضفة الغربية"، فكيف تريد إدارة أوباما من "حماس" وغيرها أن تعترف ب"إسرائيل" وتسلّم بكل شروطها كي تتحنن هذه الأخيرة فترضى بمفاوضتها على طرائق "تنمية" ما يكون قد تبقّى من الضفة الغربية التي يفترسها الاستيطان بلا هوادة وعلى مرأى من العالم أجمع؟

الفلسطينيون، شعباً وفصائل، باتوا مقتنعين بلا جدوى الاعتراف ب"إسرائيل" ونبذ العنف كشرط لمعاودة المفاوضات. حتى محمود عباس أصبح يشترط وقف الاستيطان كمقدمة لمعاودة التفاوض. ولكن هل اقتنعت بعض الدول العربية بذلك؟

لنفترض أن نتنياهو عدّل موقفه ووافق على العودة إلى المفاوضات بلا شروط مسبقة مع حكومة ترأسها شخصية فلسطينية مستقلة، فهل هذا كافٍ لمطالبة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وغيرها بالاعتراف ب"إسرائيل" ونبذ العنف، أي نبذ المقاومة؟

مع المقاومة أو من دونها، هل توصلت الفصائل المسالمة بعد اتفاقات أوسلو سنة 1993 إلى أي نتيجة إيجابية جراء تفاوضها مع "إسرائيل"؟

سكوكروفت يعترف في حديثه الصحافي الأخير "أن أحد الأشياء التي يجب أن نتذكرها هو أنه على مدى عقود مضت، كان الفارق ضئيلاً بين الحكومات اليمينية واليسارية في "إسرائيل" حيال عملية السلام".

فاته أن يقول أيضاً إن الفارق كان ضئيلاً بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية في الولايات المتحدة حيال "إسرائيل" واعتداءاتها التوسعية.

معنى ذلك أن لا أمل يرتجى من أمريكا و"إسرائيل" لمصلحة الشعب الفلسطيني في ظل موازين القوى الحالية في المنطقة. فالمفاوضات، حتى لو تمّ تنشيطها، لن تؤدي إلا إلى مزيد من المفاوضات. وفي ظل المفاوضات كانت "إسرائيل" تقضم الأرض وتهضمها، لتقضم المزيد منها. المفاوضات تعني، إذاً، تغطية عملية القضم والهضم إلى ما لا نهاية، فهل هذا ما يرتجيه الفلسطينيون والعرب من وراء "مبادرة السلام العربية" والرهان على معاودة المفاوضات مع "إسرائيل"؟

الحقيقة أن لا سبيل إلى دفع أمريكا و"إسرائيل" إلى الاعتراف بالفلسطينيين وبحقوقهم غير القابلة للتصرف، وبالتالي إلى مفاوضتهم من دون شروط تعجيزية، إلا إذا تبدلت موازين القوى في المنطقة على نحوٍ تشعر معه واشنطن وتل أبيب بأنهما ستخسران الكثير إذا لم توافقا سلفاً على التضحية بالقليل قبل أن تضطر إلى خسارة الأكثر.

السبيل إلى إحداث تعديل مواتٍ للعرب في موازين القوى يكمن في دقة تقييم وضع كل من أمريكا و"إسرائيل" في المنطقة، بكل أزماته وتحدياته، وبالتالي اغتنام فرصة تراجع قدراتهما بفضل المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان من جهة، وبسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة ودول أوروبا وسائر العالم من جهة أخرى، كل ذلك من أجل تفعيل المقاومة المدنية والميدانية ضدهما بالتعاون مع الدول والقوى التي تعاني منهما إقليمياً وعالمياً، وتبدي استعداداً للتنسيق مع قوى المقاومة لدينا في إطار فهمنا المشترك لقواعد الصراع وساحاته ولحقوق ومصالح الأطراف المنخرطة فيه.

صحيح أن بعض الدول العربية لا يبدو متحمساً لتبني هذه المقاربة أو للمشاركة في الاستراتيجية التي قد تضعها قوى المقاومة في هذا السبيل، لكنها تبقى مطالبة، لأسباب تتعلق بأوضاعها الداخلية كما بالتطورات الإقليمية والدولية وانعكاسها على المصالح العليا للأمة بأن تحاذر التصرف سياسياً على نحوٍ يفيد المحور الأمريكي "الإسرائيلي" أو يؤذي قوى المقاومة العربية. بل لعل هذه الدول مطالبة أيضاً بتصحيح الموقف العربي العام من "إسرائيل" العدوانية التوسعية بالإعلان من على منصة القمة العربية المقبلة في الدوحة أن لا سبيل إلى معاودة المفاوضات مع "إسرائيل" إلاّ بعد إقرار أمريكا وأوروبا، مباشرةً أو من خلال قرار لمجلس الأمن الدولي، بأن "إسرائيل" هي دولة محتلة للضفة الغربية وان الغاية من أية مفاوضات مقبلة بينها وبين الفلسطينيين والعرب هي إزالة هذا الاحتلال وآثاره وبالتالي تطبيق قرارات الأمم المتحدة الصادرة منذ سنة 1947 حتى الوقت الحاضر.

أجل، إذا كانت دول العرب غير قادرة أو غير مستعدة أو غير راغبة بالمشاركة عسكرياً في الصراع من أجل إزالة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فلا أقل من المشاركة سياسياً، وفي الحد الأدنى، في المجهود الوطني والقومي والإنساني الهادف إلى رفع الغطاء عن الجريمة المتمادية وذلك بالإعلان المدوّي أن الوضع الراهن في فلسطين اليوم هو وضع احتلال صارخ مارسته "إسرائيل" منذ سنة 1948 وما زالت، وان لا علاج صحيحاً له في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة إلا بإزالته بصورة كاملة وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

إذا كان كل الأمة غير قادر على تحرير كل أراضيها المحتلة دفعة واحدة، فإن بعضها قادر على تحرير بعضٍ منها اليوم وغداً، مرحلياً وتدريجياً، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.. هذا هو درس التاريخ.

ــــــــــــــــــــــــ

الخليج الإماراتية

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة