الأمن الثقافي الإسلامي

  • اسم الكاتب: سعادة الدكتور: غيث بن مبارك الكواري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية
  • تاريخ النشر:22/05/2012
  • التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
  •  
15570 3 921

 — الْأُفُقِ التُّونُسِيِّ يَرْقُمُ فَصْلًا جَديدًا مِنْ فُصُولِ تاريخ الأُمَّةِ العربيةِ والإسلاميةِ.

— الأمةُ الإسلاميةُ اليومَ، في أَمَسِّ اَلْحَاجَةِ إلى دَوْرِ الزيتونةِ والقيروانَ والقرويينَ والأزهرِ الشريفِ والمسجدِ الأُمَوِيِّ والحرمينِ والأَقْصَى في بِنَاءِ أَمْنٍ ثَقَافيٍّ إسلاميٍّ شَامِلٍ.

— عَلى أُمَّتِنَا أَنْ تُفَكِّرَ في أَمْنِهَا الثقافيِّ الإسلاميِّ الشَّامِلِ بِمَا يُؤَمِّنُ مُسْتَقْبَلَهَا.

— إِنَّ الْأَمْنَ الثَّقَافيَّ الإسلاميَّ الشَّامِلَ، أمنٌ يَعُمُّ جميعَ أنواعِ الأمنِ.

— وَجَدْنَا الجماعَةَ الهُوِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ لاَ تتوقَّفُ عن التفكير في تَدْبِيرٍ للتنوع والاختلافِ.

— لَقَدِ انْتَصَرْتُمْ يَوْمَ أَعْلَنْتُمُ "التَّنَوُّعَ" حَقًّا، يومَ أَرَدْتُمُ الْحَيَاةَ .

— التَّوافُقَ على التشارك، توافقٌ على التَّنَاصُح، وتأسيسٌ لِحَدِّ الإصلاحِ وحَصْرٌ لِمَجَالاَتِه.

— لقد كانت الزيتونة حاضنة لدعوى الإصلاح على مدى تاريخ تونس.

— لقد عَلَّمَنَا التاريخُ أَنَّ تلكَ المراكزَ سَهَرَتْ بَعْدَ كُلِّ فَتْرَةِ رُكُودٍ وَكُمُونٍ على إِحْيَاءِ الْفِكْرِ التَّجْدِيدِيِّ في الأمةِ

 

محاضرة سعادة الدكتور غيث بن مبارك الكواري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر في دار الكتب الوطنية بالجمهورية التونسية، مايو2012م الموافق جمادى الثانية 1433هـ 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أيها السادة
سَعِيدٌ بِلِقَاءِ أَبْنَاءِ هذا الشَّعْبِ الْأَبِيِّ الذي قَدَّمَ يَوْمَ أَرَادَ الْحَيَاةَ أَرْوَعَ صُورَةٍ لِلتَّلاَحُمِ. هذا الشعبُ "الذي حَوَّلَ أَحْلاَمَ الشُّعَرَاءِ إلى سياسةٍ، وَأَخْضَعَ السياسةَ لِتَطَلُّعَاتِ الشُّعُوبِ، وَضَرَبَ مِثَالاً فَذًّا في التغييرِ السِّلْمِيِّ، فَانْفَتَحَتِ الأبوابُ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا لِلتَّغْيِيرِ، وَتَبَدَّدَ الْيَأْسُ. وَبِذَلِكَ قَدَّمَتْ تونسُ نَمُوذَجًـا إِنْسَانِيًّا أَثَــارَ إِعْـجَابَ الْعـَالَمَ " كَمَا قَالَ حضرةُ صاحبِ السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله أميرُ دولة قطر في الاحتفالِ الذي أُقِيمَ بتونسَ بمناسبةِ مُرورِ سَنَةٍ على الثورةِ التونسيةِ.
الْحَقُّ أيها الإخوةُ الْكِرَامُ أَنَّنَا إذا شَخَصْنَا بِأَبْصَارِنَا وَأَفْئِدَتِنَا إِلَى هَذَا الْأُفُقِ التُّونُسِيِّ وَهُوَ يَرْقُمُ فَصْلًا جَديدًا مِنْ فُصُولِ تاريخ الأُمَّةِ العربيةِ والإسلاميةِ. وَكُنَّا وَاثِقِينَ أَنَّ هَذَا الشعبَ سَيَنْتَصِرُ، وَأَنَّ جُهُودَ الزيتونةِ في تَوْطِيدِ دَعَائِمِ المنهجِ الوسَطِيِّ المعتدلِ طِيلَةَ أربعةَ عَشَرَ قَرْنًا مُنذُ زَمَنِ الْمُؤَسِّسِ عبدِ اللهِ الْحَبْحَابِ لَنْ تَذْهَبَ سُدًى، وَأَنَّ رُوحَ الزيتونة سَتَصُونُ هُوِّيَةَ هذا الشعبِ لِيَصِلَ بِسَفِينَةِ ثَوْرَةِ الْيَاسَمِينَ إلى بَرِّ الْأَمَانِ.

أيها السادة
لَقَدْ سَجَّلَتِ الزيتونةُ والقيروانُ صفحاتٍ نَيِّرَةً من الأمنِ الثقافِيِّ الإِسْلاَمِيِّ خلالَ القُرونِ الماضِيَةِ، فَمِنْهُمَا انتقلتْ جَذْوَةُ الإسلامِ إلى أَقْصَى غَرْبِ القَارَّةِ الإفريقيةِ وجنوبِ الصَّحْرَاءِ الْكُبْرَى، وإلى الأندلسِ.
وَكَانَا مَنْهَلاً لِلْعِلْمِ ومَوْئِلاً للعلماءِ مِنَ المشرقِ والمغربِ لِفَتَرَاتِ مَدِيدَةٍ. كَانَ ذَلِكَ في مَرَاحِلِ سُمُوِّ الدولةِ الإسلامية كَمَا كَانَ في عصورِ انْحِسَارِهَا.
لَقدْ تَعَاقَبَ فِيهَما الْمُجَدِّدُونَ، وَتَخَرَّجَ منهما الْمُجَاهِدُونَ، وَظَلاَّ سِرَاجًا لِلْأُمَّةِ تَهْتَدِي بِنُورِهِما نَاشِدَةً اَلْعَوْدَةَ إِلَى التَّارِيخِ وَالتَّقَدُّمِ.

والأمةُ الإسلاميةُ اليومَ، في أَمَسِّ اَلْحَاجَةِ إلى دَوْرِ الزيتونةِ والقيروانَ والقرويينَ والأزهرِ الشريفِ والمسجدِ الأُمَوِيِّ والحرمينِ والأَقْصَى في بِنَاءِ أَمْنٍ ثَقَافيٍّ إسلاميٍّ شَامِلٍ يُتِيحُ لَهَا اسْتِعَادَةَ دَوْرِهَا بينَ الْأُمَمِ أُمَّةً مُشِيعَةً لِلْخَيْرِ، مُدَافِعَةً عنْ قِيَمِ العدالةِ والْمُسَاوَاةِ، أُمَّةً تَأْمُرُ بالمعروفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُسْهِمُ في تَشْيِيدِ عَلَاقَةِ تَوَازُنٍ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الأُمَمِ والمنظوماتِ الفكريةِ، مُؤَسَّسَةٍ على مَآلاَتِ التَّعَارُفِ والتَّعَايُشِ والتَّشَارُكِ في جَلْبِ الْمَصَالِحِ لِلْخَلْقِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُ.

لَقَدْ تَعَرَّضَتْ أُمَّتُنَا إلى مُخْتَلَفِ أَنْوَاعِ الاِسْتِهْدَافِ مِمَّا عَرَّضَ أَمْنَهَا الثَّقَافِيَّ لِلْخَطَرِ، وَزَجَّ بِهَا فِي مَتَاهَةٍ لاَمُتَنَاهِيَةٍ وَجُبٍّ عَميقٍ، فَأَثْخَنَ فيهَا الضَّعْفُ، وَخَضَعَتْ أغلبُ بُلدانها لاستعمارٍ مُبَاشِرٍ خلالَ القرنِ الماضِيِّ.
تَغَرَّبَ بَنُوهَا، واسْتَعَارُوا أَلْسِنَةً غَيْرَ لِسَانِهَا الْمُبِينِ، وَأَبَاحُوا ِلأَنْفُسِهِمُ التَّبَعِيَّةَ لِغَيْرِهِمْ في الْعِلْمِ وَنُظُمِ الْحُكْمِ وَالْقَوَانِينِ والاقتصادِ، وآلِيَاتِ النَّظَرِ.

أيها السادة
لَقَدْ تَدَاعَتِ الْأُمَمُ على أُمَّتِنَا كما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، وَسَرَى الاِخْتِلالُ في فَضَائِهَا الْجُغرافِيِّ والثَّقَافِيِّ، وفي بِنْيَاتِهَا الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ وفي رُؤْيَتِهَا للعَالَمِ، وَخَفَتَ دَوْرُ مُؤَسَّسَاتِهَا اَلْحَيَّةِ وعلى رَأْسِهَا مُؤَسَّسَاتُ العُلَمَاءِ ومَعَاقِلُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الْكُبْرى.

اليومَ، بعد أَنْ ضَوَّعَ شَذَى الْيَاسَمِينِ، وَعَمَّ أَرِيجُهُ أَغْلَبَ فَضَاءَاتِ اَلْعَالَمِ الإسلامِيِّ، صَارَ عَلى أُمَّتِنَا أَنْ تُفَكِّرَ في أَمْنِهَا الثقافيِّ الإسلاميِّ الشَّامِلِ بِمَا يُؤَمِّنُ مُسْتَقْبَلَهَا: أُمَّةً فَاعِلَةً مِنْ أَجْلِ الخَيْرِ، وَاعِيَةً بأمانةِ الاِسْتِخْلاَفِ في الأرضِ، رَاعِيَةً لِلْحُقُوقِ، وَاعِيَةً بِسُمُوِّ اَلْحَقِّ في الاِخْتِلاَفِ اَلْفِكْرِيِّ والتَّنَوُّعِ الثَّقَافِيِّ.

صَارَ عَلَيْهَا أن تَعْمَلَ كُلَّ مَا ِفي وُسْعِهَا لِتَكُونَ بِحَقٍّ أُمَّةً مُطْمَئِنَّةً يَنْتَفِي فيها الخوفُ، ويَتَحَقَّقُ فيها الأمنُ وَتُصَانُ فِيها الحُقُوقُ والأَنْفُسُ، والعُقُولُ،أُمَّةً نَاقِلَةً لِلْقِيَمِ إِلَى العَالَمِينَ، لِأَنَّ حُدُودَ الأُمَّةِ ليست تَنْحَصِرُ عِنْدَ حُدُودِهَا الجغرافية بَلْ تَتَعَدَّاهَا إِلَى العالم جميعه {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.

يقول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} سورة النور الآية 55

أيها السادة
إِنَّ الْأَمْنَ الثَّقَافيَّ الإسلاميَّ الشَّامِلَ، أمنٌ يَعُمُّ جميعَ أنواعِ الأمنِ: الأمنِ السياسيِّ، والأمنِ الاجتماعيِّ، والأمنِ الثقافيِّ، والأمنِ الاقتصاديِّ، والأمنِ الروحيِّ... وجميعُ هذه الأنواعِ تَتَأَسَّسُ عليها مصالحُ يَعُمُّ نَفْعُهَا دائرةَ البلادِ الإسلاميةِ بِمَفْهُومِهَا الجُغْرَافِي السِّيَادِيِّ الضَّيِّقِ ، والدَّائِرَةَ الْمُوَسَّعَةَ ، دَائِرةَ "اَلْعَالَمِينَ" التي يَتَعَدَّى إِلَيْهَا النَّفْعُ إِثْرَ حُصُولِ التَّعَارُفِ والتَّعَايُشِ وتَحَقُّقِ التَّشَارُكِ.

والأمنُ الثقافيُّ الإسلاميُّ الشاملُ نتيجةٌ لكلِّ مَا يُكْسِبُ الأُمَّةَ قُدْرَةً عَلَى المحافظةِ على مَا يُمَيِّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا رَغْمَ تَحَوُّلِ الظُّرُوفِ والوَقَائِعِ، وَكُلِّ مَا يُعَزِّزُ قُدْرَتَهَا على صِيَانَةِ لُغَتِهَا اللاَّحِمَة وَلُغَاتِهَا الْمُتَكَامِلَة وثَقَافَتِهَا ومُؤَسَّسَاتِهَا وهويتها الدينية وطُرُقِ تَفْكيرها وَوَعْيِهَا بِتَارِيخِهَا.

وَلِلْأَمْنِ الثقافيِّ الإسلاميِّ الشَّامِلِ دورٌ حاسمٌ في حِرَاسَةِ الهُويةِ الإسلاميةِ، وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ أَمْنٌ هُوِّيٌّ إسلاِميٌّ مَبْعَثُهُ مَا يَنْتُجُ عَنْ حَوْكَمَةِ الهويةِ الإسلاميةِ من آلياتٍ تجعلُ الجماعةَ الهُويةَ المسلمةَ مُطْمَئِنَّةً على قِيَمِهَا واستمرارها في فضائها الطبيعيِّ وتُكْسِبهَا القُدْرَةَ عَلَى مَنْحِ الْقِيَم لِغَيْرِهَا في فَضَائِهَا، وَللمجموعاتِ الهُويَّةِ المتعارَفِ مَعَهَا من خارجِ الدائرةِ الإسلاميةِ.

على أن تَحَقُّقَ الأمن الهُوِّيِّ الإسلاميِّ لاَ يَنْبَغِي أن يُفَسَّرَ باكتمالِ الهوية الإسلامية؛ إذْ أَنَّهَا مِنْ طَبِيعَتِهَا تَبْقَى مفتوحةً أَمَامَ الْمُرَاجَعَةِ والتطويرِ وإعادةِ البِنَاءِ في إطار "التجديد".
إنها تُعيدُ تشكيل نفسها بمراعاة الْمُسْتَجَدِّ من الأفكار قصد تحقيقِ فعلٍ إيجابيٍّ ، وتُؤَسِّسُ ما يُكْسِبها الاستمرارَ في الوُجُودِ، وَمَا يَصُونُ ركائِزَهَا المـُمَيِّزة لها، ومَا يَحْمِي مَا تَسْتَضِيفُه مِنْ هُويَاتٍ صُغْرَى وتَنْفَتِحُ عَلَيْهِ من أَحْلاَفٍ هُوِّيَّةٍ.
ولهذا وَجَدْنَا الجماعَةَ الهُوِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ لاَ تتوقَّفُ عن التفكير في تَدْبِيرٍ للتنوع والاختلافِ داخلَ بِنْيَتِهَا، وتَدْبِيرِ مَا قد يَطْرَأُ عليها من الخارجِ.
ونقْصِدُ بالتَّدْبِيرِ هُنَا الحَوْكَمَةَ بِمَا هِيَ نُظُمٌ وقَوانِين وقَرَارَات ومُخَطَّطَاتٌ تَصُونُ فِعْلَ الجَمَاعَةِ الهُوِّيَّةِ وتُمَكِّنُهَا مِنَ الْآلِيَاتِ النَّاجِعَةِ لإعادةِ بِنَاءِ الهُوية وِفْقَ الْمُسْتَجَدِّ مِنَ الأَفْكَارِ الحَيَّةِ بِمَا يَخْدُمُ مَصْلَحَةَ الجماعةِ وَيَرْفَعُ مِنْ دَرجةِ فِعْلِهَا في التاريخ وفي المحيط العالمي والإقليمي.

أيها السادة
اليومَ، بعدَ مَخَاضٍ طَوِيلٍ من النهضةِ والصحوةِ والثورات، أَصْبَحَ من اللاَّزِمِ أن نَنْظُرَ في إمكان تأسيس أمنٍ ثقافيٍّ إسلاميٍّ على أَمْنٍ هويٍّ إسلاميٍّ، ونُسَجِّلَ أن الواقعَ أَثْبَتَ أَنَّ فَشَلَ صِيَاغَةَ ذَلِكَ في الماضي رَجَعَ في قِسْمٍ كبيرٍ مِنْهُ إلى أَنَّ تَصَوُّرَهُ كانَ فَوْقِيًّا لاَ مَجَالَ للشُّعُوبِ فِيهِ، أَمَّا الآن فإن الشعوب التي أَبَانَتْ عَنْ حَيَاةٍ بَعْدَ كُمُونٍ وَسُكُونٍ، كَشَفَتْ عَنْ إمكانياتٍ وأساليبَ عديدةٍ لتحقيقِ أمنها الثَّقَافيِّ الشَّامِلِ، وَأَنَّى كانتْ بَوْصَلاَتُ مُكَوِّنَاتِ هذهِ الشعوبِ فَقَدْ وَقَفَتْ مُعْلِنَةً مِحْوَرِيَةَ الإِسْلاَمِ في تشكيلِ الذَّاتِ ومحوريَتَهُ في بِنَاءِ العلاقَةِ بالآخَرِ، لَقَدْ أَعَادَتْ عَبْرَ قَوْمَتِهَا في ربيعٍ مُمْتَدٍّ صُوَرًا ظلت إلى الْأَمْسِ الْقَرِيبِ مَشَاهِدَ حَوَتْهَا صَحَائِفُ التاريخِ.

وإلى جَانِبِ هذا الأَمَلِ الوَاعِدِ الذي لاَحَ أَمَامَ الْمُسلمينَ، أصبحَ من اللازم على الفِئَةِ الْمُثَقَّفَةِ والعلماءِ أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في بناء أمن ثقافي للأمة الإسلامية.
ليس الظرفُ ظرفَ الْخُطَبِ الْمُجَلْجِلَةِ وَتَضْخِيمِ الذَّاتِ، ولاَ ظَرْفَ الانتشاءِ لِلْغَلَبَةِ على حُدُودِ الصَّمْتِ؛ إِذْ أَنَّ الأمة مَدْعُوَّةٌ كَيْ تَرُصَّ صَفَّهَا الداخليَّ وتَحْفَظَ أَمْنَهَا، وهي إذا كانت تَجَاهَلَتْ الآخَرَ في الماضي ولم تُكَلِّفْ نَفْسَهَا عَنَاءَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهِ دَاخِلَ بِنْيَتِهِ الفكريةِ والثقافيةِ، فَقَدْ صَارَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ وَظَّفَتْ مَوَاقِعَهُ وابْتِكَارَاتِهِ التَّوَاصُلِيَةَ الحديثَةَ في فَكِّ الحِصَارِ عَنْ نَفْسِهَا، أَنْ تَعْرِفَ حُدُودَ الْخِلَافِ مَعَهُ، وَأَنْ تُعَيِّنَ خُطُوطًا للتعايُشِ والتعارف معه.

أيها السادة
إِنَّ إِعَادَةَ الْبَرِيقِ لِمُؤَسَّسَاتِنَا وَمَرَاكِزِنَا العِلمِيَةَ العتيقةَ، أمرٌ بالغُ الأهميةِ في سَبيلِ بِنَاءِ أَمْنٍ ثقافيٍّ إسلاميٍّ شاملٍّ، لقد عَلَّمَنَا التاريخُ أَنَّ تلكَ المراكزَ سَهَرَتْ بَعْدَ كُلِّ فَتْرَةِ رُكُودٍ وَكُمُونٍ على إِحْيَاءِ الْفِكْرِ التَّجْدِيدِيِّ في الأمةِ؛ لَقَدْ مَكَّنَتِ الْأُمَّةَ مِنَ الاِسْتِفَادَةِ مِنْ عُقُولِهَا، وأكسبتْهَا الْقُدْرَةَ عبر تَفْعِيلِ آلياتِ الإِصْلاَحِ مِنْ مَنْظُورٍ إسلاميٍّ على تَجَاوُزِ التَّحَدِّيَاتِ وَحَلِّ المشكلاتِ.

لَقَدْ أَسْهَمَتْ تلك المراكز العتيقةُ بِوَسَائِلِهَا الخاصةِ في مُحَاصَرَةِ مَوْجَاتِ الْعُنْفِ والتَّطَرُّفِ والْغُلُوِّ في المجتمعات الإسلامية. وبنت تصورا شاملا عن الدين والدولة.

وَفي هَذا السِّيَاقِ يَسُرُّنِي أَيُّهَا الإخوةُ اَلْكِرامُ أَنْ أُورِدَ بَعْضَ النَّمَاذِجِ مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ إسهام علماء الزيتونة في ذلكَ.

وقد كان لهذا الصَّرْحِ الْعِلْمِيِّ وأَعْلاَمِهِ أَثَرٌ عظيمٌ في بَلْوَرَةِ أَمْنٍ ثَقَافيٍّ لِأُمَّتِنَا الإسلاميةِ، وَإِنَّنَا نَتَطَلَّعُ إلى إِحْيَاءِ دَوْرِهِ لِيُسْهِمَ في بِنَاءِ أَمْنٍ ثَقَافيٍّ إسلاميٍّ شاملٍ في الْحُدُودِ النَّظَرِيَّةِ التي أَوْرَدْنَا أَعْلاَهُ.

في سنة 1955 كتب الشيخُ العلامةُ محمد البشير النيفر الفقيهُ المالكيُّ التونسيُّ في الجزءِ الخامسِ من المجلَّةِ الزيتونيةِ مَقَالاً عن الدينِ والدَّوْلَةِ مُسْتَلْهِمًا قولَ أمير المؤمنين عليِّ رضي الله عنه :"الـمُلْكُ والدين أَخَوَانِ لا غِنًى لأحدِهِمَا عن الآخرِ، فالدينُ أُسٌّ والـمُلكُ حارسٌ فما لم يكن له أُسٌّ فَمَهْدُومٌ، وما لَمْ يَكُنْ لَهُ حَارسٌ فَضَائِعٌ".

قال رحمه الله شارحًا: "تِلْكُمُ الحقيقةُ التي احْتَفَظَ بها خُلفاءُ الإسلام وملوكُه، وبَنَوْا على قاعدتِهَا الراسخةِ دُوَلَهُمُ الشَّامخَةُ، وَسَاسُوا بِهَا رَعَايَاهُمْ سِيَاسَةً عَادِلَةً حَكِيمَةً قَرَّتْ بِهَا العُيُونُ واطمَأَنَّتْ لَهَا القلوبُ ورَضِيَهَا مَنْ يَدِينُ دِينَ الإسلامِ وَمَنْ لاَ يَدِينُهُ مِمَّنْ تَرْبِطُهُ بِأَهْلِهِ رَابِطَةُ العهدِ أوْ الذِّمَّةِ، وَدَخَلَ بِهَا الناسُ في دينِ اللهِ أفوَاجًا عَنِ اخْتِيَارٍ وَرَغْبَةٍ".

هَذِهِ الصورةُ التي أَكَّدَ عَلَيْهَا الشيخُ النيفر، صُورَةُ هذهِ الأُمة التي أَكْرَمَها اللهُ تعالى بالإسلام، فَأَلَّفَ بين قُلُوبِ أبنائِها، وَجَعَلَهُمْ يَتَعَايَشُونَ مَعَ مَنْ يُسَاكِنُهُمْ مِنْ غَيرِ المسلمينَ.
وَلَعَلَّ في هذا تَصْرِيحا بِضَرُورَةِ التَّنَوُّعِ في المجتمعِ المسلمِ، هَذَا التنوعُ الذي يَبْدَأُ مِنَ الإِيمَانِ بالحقِّ في الاختلافِ الفكريِّ، ويَنْتَهِي بالتَّشَارُكِ في بناءِ الدولةِ وصَوْنِ هُويةِ الجماعةِ وِفْقَ حُدُودٍ مِنَ التَّوَافُقِ.

وَلَـمَّا كانَ القَوْلُ بضرورةِ التنوعِ يُزِيحُ فِكْرَ الإقْصَاءِ في التَّصَوُّرِ الإسلاميِّ، فإنهُ ضَرُورِيٌّ في مَرَاحِلِ إعادةِ البِنَاءِ؛ إِذْ بِدُونِهِ يَصْعُبُ لَمُّ الدَّوَائِرِ الْـمُتَنَوِّعَةِ التي تَجْعَلُ كُلَّ واحدةٍ منهَا تَنْمَازُ عَنِ الأُخْرَى.
والْقَوْلُ بضرورةِ التنوعِ، يُحَتِّمُ على تلك الدوائرِ أن تُجَدِّدَ نظرتَها إلى ذَاتِهَا عند اقتناعها بحدود غيرها، فَتُؤَسِّس ما يُكْسِبهَا الاستمرارَ في الوُجُودِ، وَمَا يَصُونُ ركائِزَهَا المـُمَيِّزةِ لَهَا فتَنْفَتِح على دوائرَ أُخْرَى.

هكذا أيها السادة، يَتَحَتَّمُ عَلَى الدوائرِ المتنوعةِ، الْـمُعْتَرِفَةِ لغيرِهَا بالحقِّ في الاختلافِ الفكريِّ أن تُفَكِّرَ في تَدْبِير الاختلافِ داخلَ بِنْيَتِهَا، وتَدْبِيرِ مَا قد يَطْرَأُ عليها من الخارجِ..

أيها السادة
لَقَدِ انْتَصَرْتُمْ يَوْمَ أَعْلَنْتُمُ "التَّنَوُّعَ" حَقًّا، يومَ أَرَدْتُمُ الْحَيَاةَ وَأَصْرَرْتُمْ عَلَى بِنَاء الدَّوْلَةِ على أُسُسٍ تَكْفُلُ لكل دائرةٍ فكريةٍ منكمُ الاِسْتِمْرَارَ والتَّشَارُكَ مع باقي الدوائرِ الفكريةِ لبناءِ تونسَ جديدةٍ تُصَانُ فيها كرامةُ الجميعِ، ويُسْهِمُ في تشييدها الجميعُ. وعليه فإن التَّوافُقَ على التشارك، توافقٌ على التَّنَاصُح، وتأسيسٌ لِحَدِّ الإصلاحِ وحَصْرٌ لِمَجَالاَتِهِ.

وكما كتب الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي في الثلاثينيات من القرن الماضي عن الدَّعْوَةِ إلى الإصلاحِ وأثرِها في المجتمعِ، وبَيَّنَ أَنَّ الإصلاحَ واجِبٌ وضَرُورَةٌ (المجلة الزيتونية، عدد رجب 1355 موافق سبتمبر1936 )، ومنهجُهُ: { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }، فَقَدْ وَجَبَ العملُ على أَنْ يَكُونَ الإصلاحُ عَمَلاً مُطَوِّقًا للإفسادِ، مُرَغِّبًا في البِنَاءِ، حامِلاً على توطيدِ الحقوق، مُشِيعًا للأمن والأمان بين سَائِرِ الدوائرِ الإثنيةِ والفكرية في المجتمع.

يقول الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي رحمه الله:" فتلك هي الطريقةُ الْمُثْلَى التي رَسَمَهَا القرآن، ولَكُمْ في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَهَلْ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَحِيدَ عَنْهَا ونَبْغِي بَعْدَ ذَلِكَ النَّجَاحَ. فَلاَ بُدَّ حِينَئِذٍ من أَمْرَيْنِ :

أَحَدُهُمَا، الدعوةُ إلى الإصلاحِ بالحكمة، والوصولُ إليها لا يكونُ إلا بالموعظة الحسنة.

وثانيهما، الصبرُ على ذلك حتى تَقُومَ الفضيلةُ في النُّفوسِ مَكَانَ الرَّذيلَةِ. أما إذا كان في نفوس الْمُصْلِحِينَ شيءٌ من الْحِدَّةِ، فإن نُفُوسَ الْقَوْمِ أَشَدُّ حِدَّةً من ذلكَ... إن أمرَ الإصلاحِ كثيُر التَّشَعُّبَاتِ مُتَعَدِّدُ المسالكِ، وعلى كل فَرْدٍ أن يقومَ بما يَتَمَكَّن منه...".

وعلى هذا، فإن الإصلاحَ يصبح مسؤوليةَ الجميع، يقوم كل فردٍ بما يتمكن منه في إطارٍ تشاركيّ.

لقد كانت الزيتونة حاضنة لدعوى الإصلاح على مدى تاريخ تونس، ولعل في تجديدها، وإعادة الاعتبار لها، تمكينا للشعب التونسي من تاريخه، واعترافا بدوره في حفظ الأمن الثقافي الشامل للأمة العربية والإسلامية.

ويسرني أيها السادة أن أذكر معكم القصيدةَ التي أَنْشَدَهَا أميرُ شعراءِ الخضراءَ الشاعر الشاذلي خَزَنْدَارْ في الحفل الذي أقامتْه الجمعيةُ الزيتونيةُ في شهر ذي الحجة عام1355 وفيها من الدلالات ما لا يخفى على حَصِيفٍ (نشرت القصيدة ضمن فرائد ثلاثة في المجلة الزيتونية،عدد محرم 1356 موافق مارس 1937).

أَلاَ لَبَّيْكَ يَا ثَانِي الْقُرُونِ

 

حَدِيثُكَ والْحَدِيثُ لَذُو شُجُونِ

تَمَثَّلَ بَيْنَنَا الْمَاضِي فَكِدْنَا

 

نُشَاهِدُ مَا َتقُصُّهُ بِالْعُيُونِ

هُنَا الْحَبْحَابُ عَبْدُ اللهِ خَطَّتْ

 

يَدَاهُ الْبَيْتَ تَخْطِيطَ الْحُصُونِ

تُذَكِّرُنَا الْمَعَاهِدُ مَنْ بَنَاهَا

 

فَتَدْعُونَا لِمَعْرِفَةِ الْيَقِينِ

هُنَا الزَّيْتُونَةُ الْهَادِي سَنَاهَا

 

بِنُورِ اللهِ لاَ نُورِ الْغُصُونِ

فَلاَ شَرْقِيَّةٍ بَلَغَتْ عُلاَهَا

 

وَلَا غَرْبِيَّةٍ فِي أَيِّ حِينِ

لَهَا نِسْبَةُ الْبَيْتِ افْتِخَارًا

 

تَأَبَّدَ بِالشُّرُوحِ وَبِالْمُتُونِ

فَبَاتَ الْمَعْهَدُ الْعِلْمِيُّ بَحْرًا

 

يَفِيضُ عَلَيْكَ بِالدُّرِّ الثَّمِينِ

إِذَا اسْتَمْطَرَتَ رَاحًا مِنْ ذَوِيهِ

 

جَرَتْ كَالسَّيْلِ بَيْنَ سَهْلِهِ وَالْحُزُونِ

بَنِي الزَّيْتُونَةَ الْخَضْرَا هَلُمُّوا

 

بِهِمَّتِكُمْ لِتَحْقِيقِ الظُّنُونِ

وَكُونُوا الرَّوْضَةَ الْغَنَّاءَ تَزْهُو

 

بِأَنْوَارِ الْمَعَارِفِ وَالْيَقِينِ

لَئِنْ عُدِمُوا فَمَا عُدِمَتْ بَنُوهُمْ

 

وَلاَ الْأَحْرَارُ رَاضِيَةٌ بِدُونِ

فَمَا مِنْ حَازِمٍ إِلاَّ وَنَادَى

 

مَتَى أَضَعُ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي

فَبُثُّوا في نُفُوسِ الْقَوْمِ رُوحًا

 

مُؤَيَّدَةً بإخْلاَصٍ وَدِينِ

فَمَا الْجَامِعَاتُ وَلَسْتُ أُطْرِي

 

سِوَاكُمْ في الْبِلاَدِ فَصَادِقُونِي

وَمُدُّوا لِلْإِخَاءِ يَدًا فَأَنْتُمْ

 

أَحَقُّ النَّاسِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ

تَغَذَّيْتُمْ لِبَانَ الْعِلْمِ فَاسْقُوا

 

بِهِ غُلاً مِنَ الدَّاءِ الدَّفِينِ

وَذُودُوا عَنْ حِمَاهُ بِكُلِّ حَزْمٍ

 

تَكُونُوا مِنَ الْحِصْنِ الْحَصِينِ

وَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُنَادِي

 

فَتَى الْخَضْرَاءِ وَضَّاءَ الْجَبِينِ

إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ

 

تَلَقَّاهَا عُرَابَةُ بِالْيَمِينِ

هذا والله أعلم وآخر دعوانا أان الحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله

 


 

مواد ذات الصله



تصويت

في شهر شعبان تهب علينا رياح الحنين لشهر رمضان المبارك، نسأل الله أن يبلغنا إياه ما هو أكثر شيء تشتاق إليه في رمضان؟

  • - التراويح والقيام
  • - صحبة المصحف
  • - التزاور
  • - الصدقات
  • - غير ذلك