الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تداووا عباد الله

تداووا عباد الله

تداووا عباد الله


تأتي التوجيهات النبوية بإرشاد المسلم إلى ما ينفعه، وما يصلح روحه وجسده، وهذا مما يبرز واقعية تلك التوجيهات، وتوافقها مع الفطر السليمة، ومن ذلك التوجيه بالتداوي وعلاج الأمراض الظاهرة والباطنة، وهو أيضا توجيه بالبحث والدراسة لاكتشاف الأدوية التي أودعها الله في الأشياء، فهذا مما يشير إليه هذا التوجيه النبوي الكريم.

فقد ورد الصحيحين عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء».
وورد أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ» رواه ابن ماجة وأحمد وغيرهما.

قال ابن الأمير الصنعاني: وفي الحديث الإرشاد إلى التداوي، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع ذا الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا باستعمال الأسباب التي جعلها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، وفي هذا الإخبار تقوية لنفس المريض وترويح لخاطره، وحث للطبيب على التفتيش والبحث على طلب الدواء، فإن المريض إذا علم أن لدائه دواء قويت طبعته وانبعثت الحرارة الغريزية. أ.هـ.

وقد ورد في الباب توجيهات متصلة به، كالنهي عن التداوي بالحرام كما عند أبي داود: عن أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله عز وجل أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام»، وعند ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يغلي، فقال «ما هذا؟» فقالت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام»، وفي صحيح مسلم، أن طارق بن سويد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخمر، فنهاه فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال:«إنها ليست بدواء ولكنها داء».

ولا يشكل عليه ورود الإذن بالحرير لمن به حكة، كما عند البخاري عن أنس بن مالك: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخص للزبير بن العوام، ولعبد الرحمن بن عوف، في قميصين من حرير من وجع كان بهما حكة».
أو الإذن بالذهب في قصة عرفجة بن أسعد حين قُطِعَ أنفُه يوم الكُلاب فاتخذ أنفاً من وَرِقٍ، فأنتنَ عليه، فأمرَهُ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - فاتخذ أنفاً من ذهب. رواه النسائي وحسنه الألباني.
فيكون معنى النهي جمعا بين الأحاديث السابقة: أن لا يتتبع الشفاء من الحرام؛، فلا يتداوى من غيره مع وجدان الحلال، كما قال الطحاوي، ويحمل الإذن بما سبق على الاضطرار.

وينبغي أن يحمل هذا التوجيه النبوي على عموم التداوي من عموم الأمراض، قال ابن القيم: فالمرض: نوعان مرض القلوب، ومرض الأبدان، ومرض القلوب: نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي،...وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه.

وأما ما روي عن بعض السلف من ترك التداوي فلا يعارض به هذا التوجيه النبوي الصريح، وله محامل كثيرة، منها: أن بعضهم ربما كوشف بدنو أجله فانشغل بمصيره عن طلب التداوي كما حصل مع أبي بكر رضي الله عنه، وبعضهم ترك التداوي بعد أن حاول ثم أمسك؛ ليقينه من زمانة دائه، وتعسر علاجه، فيستسلم لقدره، وليس في هذا إعراض عن الأسباب أو تعارض مع الأمر بالتداوي.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة