
العلاقة بين رمضان والقرآن علاقة تواصل لا نهاية لها، ورابطة دائمة لا انقطاع لها، ووحدة لا انفصام لها، ففي رمضان كان نزول القرآن، وفيه كانت البداية، وكان أصل النور والهداية.. فلا غرابة أن يرتبط القرآن برمضان، ولا عجب أن تكون علاقة المسلمين به فيه مختلفة عما سواه.
القرآن: هو كلام الله المعجزُ، المتعبدُ بتلاوته، المنزَّلُ من الله تعالى بلفظه ومعناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمنقول إلينا بالتواتر.
القرآن الكريم: خير كتاب أُنزل، على خير نبي أرسل، إلى خير أمة أخرجت للناس؛ ليكون لها دستورًا ومنهج حياة {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9].
القرآن الكريم: أفضل الذكر، وأعظم القول، وأحسن الحديث {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ}[الزمر:23].
القرآن الكريم هدى وشفاء، فهو للداء دواء، وللمرض شفاء، وللقلب نقاء، وللروح صفاء وارتقاء {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء:82].
القرآن الكريم عصمة واقية، ونعمة باقية، ومنة كافية {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}[العنكبوت:51].
القرآن ربيع القلوب، ونور الصدور، وجلاء الأحزان، وذهاب الهموم والغموم والآلام.
هو الروح التي نفخ الله بها في هذه الأمة فبعثها به من ضلالها، وأحياها من مماتها (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52).
هو النور الذي أضاء لنا به الطريق، وأنار لنا به السبيل، وأخرجنا به من الظلمات، وهدانا به إلى الصراط المستقيم: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:16)
هو انتشلنا الله به من الضياع، وهدانا به من الضلال، وأنقذنا به من الهلاك، وأعلى به قدرنا، ورفع به ذكرنا {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء:10).. أي فيه عزكم ومجدكم وفخركم.
هو المخرج من الفتن، والهادي من الضلال؛ كما روي عن علي رضي الله عنه قال: "ستكون فتن. قيل: فما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
رسائل من الله
إن هذا القرآن إنما هو رسائل من الله لعباده، فيها أوامره ونواهيه، ومساخطه ومراضيه، وشرائعه وأحكامه، وقصصه وأمثاله، وحِكَمُه ومواعظُه، رسم الله فيه للمؤمن الطريق الذي يسلكه في أعماله وعقيدته، وفي أخلاقه وعبادته، و في سلوكه وتصوراته، وفي تعامله مع نفسه وأسرته، وعلاقته مع سائر الناس وجميع المخلوقين.
فواجب على العبد أن يفتح هذه الرسائل، فيقرؤها أولاً ثم يتدبرها ثانيًا، ثم يتفهمها ويفقهها ليعمل بما فيها {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29]، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24].
السلف والقرآن
لقد عرف الأولون فضل القرآن فأقبلوا عليه ينهلون منه وينتفعون بما فيه:
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان صورة حية من القرآن تمشي على هذه البسيطة. ففي البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خُلقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: "كان خلقه القرآن".
فمن أراد أن يتعرف على أخلاق القرآن فلينظر إلى خلقه، ومن أراد أن يتأدب بأدب القرآن فيتأدب بأدبه، ومن أحب أن يعيش بالقرآن فليلتزم هديه وليتمسك بسنته صلى الله عليه وسلم.
وأما الصحابة فكان موقفهم من القرآن يقوم على ثلاثة أمور أبلغتهم مقاصدهم ومراشدهم:
الأول: الاستقاء من وحده:
اتخذوه دستور حياة، ومعه السنة فقد أمر القرآن باتباعها، يستقون منه وحده، ويستغنون به عن كل ما سواه ، فهو نبعهم الصافي ووردهم الكافي. وأيقنوا بقوله سبحانه: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]. يهدي للتي هي أقوم في العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي كل منحى من مناحي الحياة..
فلا مكان للقوانين الأرضية، ولا الأعراف الجاهلية، ولا الدساتير الوضعية البشرية، وإنما كما قال سبحانه وتعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[العنكبوت:50، 51].
الثاني: سرعة الاستجابة والعمل بما فيه
فإذا أمرهم بالصلاة صلوا، أو بالزكاة زكوا، أو بالصوم صاموا، أو الحج والجهاد حجوا وجاهدوا.. وإذا نهاهم عن الربا تركوه، وعن الزنا فارقوه، وعن الكذب والغش، أو الجور والفحش كانوا أبعد الناس عنه، فكانوا أسرع شيء استجابة لأوامره، وعملا بما فيه.. فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزها حتى يعلموا ما فيها ويعملوا بها، فقالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.
الثالث: ترك كل ما سواه وخالفه وكراهية ذلك
فالقرآن عندهم هو الحق الذي يقاس عليه كل شيء فما وافقه فحق مقبول، وما خالفه فباطل مرذول، {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ}[الأنبياء:10]، (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:21].
في صحيح مسلم أن عمران بن حصين حدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْحَياءُ لا يَأْتي إلَّا بخَيْرٍ). فَقالَ بُشيرُ بنُ كَعْبٍ: إنَّه مَكْتُوبٌ في الحِكْمَةِ: أنَّ منه وقارًا، ومِنْهُ سَكِينَةً، فغضب عمران جدا حتى احمرت عيناه من الغضب وقالَ: أُحَدِّثُكَ عن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وتُحَدِّثُنِي عن صُحُفِكَ؟!
إن الإعراض عن كتاب الله ـ ومعه السنة فقد أمر باتباعها ـ من علامات اقتراب قيام الساعة.. روى الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار، وأن توضع الأخيار، وأن يفتح القول، وأن يخزن العمل، وأن يقرأ في الناس بالمثناة ليس فيهم من ينكرها. قالوا: وما المثناة: قال: كتب غير كتاب الله).
رمضان والعودة للقرآن
إن من بركات رمضان وفضائله أنه يعيد الناس إلى هذا الكتاب، فمن كان موصولا بكتاب الله قبل رمضان زاده وصلا بالقرآن واتصالا، ومن كان هاجرا له قبل رمضان أعاده إلي بستانه مرة أخرى ليفتحه من جديد ويعيد حبلا طالما انقطع وهي عودة محمودة على كل حال، ولكننا نتمنى أن تكون هذه العودة مستمرة بعد رمضان وإلى الممات.
كما نتمنى أن تكون عودة شاملة كاملة، وأن نعود إلي كتاب الله قراءة وتدبرا، ودراسة وتعلما، وعملا تأدبا، و تحكيما وتحاكما؛ فماذا يفيد القرآن إذا قرآناه ولم نفهم، أو فهمناه ولم نعمل به، أو وجد بيننا ولم نتحاكم إليه، ونرد الأمور عند الاختلاف إليه؟ ماذا يفيد لو استبدلنا بقانون الله قوانين الشرق والغرب، وبدستور الله دساتير اليمين والشمال؟
لقد ذكر الله أمة أعطاها كتابا فنبذته وراءها ظهريا وأعرضت عنه فقال فيهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[الجمعة:5].
فنسأل الله أن يرزقنا في هذا الشهر الكريم عودة لكتابة تلاوة وتأملا وعلما وتعلما، وعملا وتحاكما.. وأن يعزنا به في الدنيا وفي الآخرة.