الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مما يلحق الميت.. صدقة جارية

مما يلحق الميت.. صدقة جارية

مما يلحق الميت.. صدقة جارية

يقول ربنا جل في علاه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18]، وهذه دعوة من الله لعباده ليستعدوا للآخرة ويتزودوا لها..

والاستعداد للآخرة، بالأعمال الصالحة، من أوجب الواجبات، ومن أهم المهمات، فينبغي على كل عبد يرجو الجنة ويخاف النار، أن يعد لذلك العدة ويقدم لنفسه عند الله ما يرضى به عنه ويدخله الجنة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الكهف:110].
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابنُ آدم، انقطع عملُهُ إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له).

فأول هذه الثلاثة: الصدقة الجارية
وهي أعمال يعملها المسلم ويبقى نفعها بعد موته، وكذلك إذا عملت له ووهب له ثوابها ـ سواء وهو حي أو بعد وفاته ـ كأن يحفر له ابنه أو قريبه أو صديقه بئرا، أو يسبل له شيئا.
وأشبه شيء بالصدقة الجارية هنا هو الوقف: قال النووي في شرح هذا الحديث في صحيح مسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، ... قال: وكذلك الصدقة الجارية: وهي الوقف".. انتهى.

والوقف هو: حبس الأصل وتسبيل المنفعة، بمعنى أن يوقف عينا لها منفعة على الفقراء أو الأيتام أو الأرامل ـ مثلا أو قوما بعينهم ـ يملكون منافعها، وتبقى العين موقوفة لا تباع ولا توهب.

وقد رغب النبي صلوات الله وسلامه أصحابه وأمته من بعدهم في الوقف، لما فيه من منافع دنيوية على المحتاجين والمسلمين، ولما فيه من منفعة أخروية على الواقفين، فسارع الصحابة إلى ذلك، فلا تكاد تعرف منهم من له مال إلا ووقف شيئا لله تعالى يبتغي بذلك وجه الله وثوابه.

في البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: "أصابَ عُمَرُ بخَيبَرَ أرضًا، فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أصَبتُ أرضًا لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ منه، فكيفَ تَأمُرُني به؟ قال: (إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها وتَصَدَّقتَ بها)، فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّه لا يُباعُ أصلُها ولا يوهَبُ ولا يورَثُ، في الفُقَراءِ والقُربى والرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ والضَّيفِ وابنِ السَّبيلِ، لا جُناحَ على مَن وليَها أن يَأكُلَ مِنها بالمَعروفِ، أو يُطعِمَ صَديقًا غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه".

وعن عثمان بن عفان قال وقد حصر في بيته: (أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي فجعلتُ دَلوي فيها مع دِلاءِ المُسلمين) [رواه النسائي وصححه الألباني].

قال البيهقي: «قال الحُمَيْدي: وَتَصَدَّقَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رضي الله عنه بِالْوَهْطِ (أرضه) مِنَ الطَّائِفِ وَدَارِهِ بِمَكَّةَ عَلَى وَلَدِهِ، فَذَلِكَ إِلَى الْيَوْم " "يعني وقت الحميدي".
ووقف خالد بن الوليد مشهور شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ الله)[البخاري ومسلم].
وتسابق الصحابة على وقف دورهم ومزارعهم، مثل: دور زيد بن ثابت، وأوقاف خالد بن الوليد، ودار حكيم بن حزام، وأرض الوهط لعبد الله بن عمرو بن العاص كما سبق، ودور الزبير وطلحة وعلي بن أبي طالب، وكذلك عائشة وأم سلمة، وأم حبيبة وصفية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا أسماء بنت أبي بكر.

صور من الصدقات الجارية
كذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام صورا من هذه الوقوف، أو الأعمال التي يستمر ثوابها ويلحق بأصحابها أو من وهبت له، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه وولدًا صالحًا ترَكَه ومُصحفًا ورَّثَه أو مسجِدًا بناهُ أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناهُ أو نَهرًا أجراهُ أو صدَقةً أخرجَها من مالِه في صِحَّتِه وحياتِه يَلحَقُهُ من بعدِ موتِهِ)[رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والبيهقي].
وقد استدل العلماء بهذا الحديث وغيره على فضل الصدقة عن الميت، والترغيب في الوقف له..
وقد نظم الإمام السيوطي ما ينتفع به الميت بعد موته فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري .. .. عليه من خصال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل .. .. وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر.. .. وحــفر البئر أو إجــراء نهر
وبيت للغريب بنـــاه يأوي .. .. إليــه أوبنـــاء محـــل ذكــــر
وتعـــليم لقــــرآن كـــريـم .. .. فخــذها من أحاديث بحــصر

وبناء على ما تقدم فأمثلة الصدقة الجارية كثيرة ومنها.
1- بناء مسجد عن الميت.
2- وقف الأموال لمساعدة طلبة العلم، أو إنشاء مكتبة إسلامية لخدمة العلم والعلماء
3- بناء المستشفيات.
4- بناء بيوت للعجزة والأرامل والمساكين.
5- بناء المدارس، وبناء دور لتحفيظ القرآن الكريم، أو بناء بيوت تؤجر ويخرج ريعها للفقراء والمساكين…..إلخ.

فمن قدر على ذلك بنفسه كان خيرا، ومن لم يقدر شارك غيره فيه.
وكل صدقة دام نفعها بعد وفاة المتصدق، جرى عليه أجرها وإن لم تكن وقفا، كمن أشترى مسكنا، أو أثاثا، أو متاعا لفقير تدوم منفعته لزمن، يجري عليه الأجر حتى ينتهي نفعها والله أعلم
فاحرص أن يكون لك عمل صالح تعمله في حياتك، وتنتفع به بعد موتك، وأنت في قبرك بين الأموات.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



الأكثر مشاهدة اليوم

قضايا شبابية

هل يغفر الله لي؟

كل ابن آدم خطاء، حقيقة قدرية مستقرة، وأمر متفق عليه، وطبيعة خُلق الناسُ عليها.. ومن عظيم منة الله علينا أن علم ضعفنا،...المزيد