الصداقة ليست مجرد علاقة اجتماعية عابرة، ولا هي رابطة تنشأ بحكم المصادفة، أو تفرضها ظروف المكان والعمل والدراسة، وإنما هي من أعمق القيم الإنسانية التي أسهمت في تشكيل الحضارات واستقرار المجتمعات وصياغة الشخصية الأخلاقية للإنسان، ولعل سرّ خلودها أنها تمثل حاجة فطرية لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها مهما بلغ من القوة أو الاستقلال، فالإنسان بطبعه كائن يأنس بالآخر، ويبحث عمن يشاركه الأفراح، والأحزان، ويمنحه الثقة قبل المنفعة، والوفاء قبل المصلحة.
ومن منا لم يسمع قول الإمام الشافعي:
| سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها | صديقٌ صدوقٌ صادق الوعدِ منصفا | |
غير أن هذا المعنى الأصيل تعرض في العصر الحديث لتحولات عميقة، حتى غدت الصداقة في كثير من الأحيان اسماً بلا مضمون، وأصبحت شعاراً يفتقد إلى الجوهر الأخلاقي، ومن هنا تبدو العودة إلى تراث الحكماء ضرورة ثقافية، لا مجرد حنين إلى الماضي، وفي مقدمة هؤلاء الذين تكلموا عن الصداقة، ووجهوها توجيهاً حسنا، الأديب الكبيرعبد الله بن المقفع، الذي قدّم رؤية متكاملة للصداقة، ما تزال تحتفظ برونقها، رغم مرور قرون مطاولة على ما كتب.
لفت - في كتاباته عن الصداقة - النظر بفكرة صائبة، ورزينة لا تنطلق من العاطفة وحدها، بل من رؤية عقلية وأخلاقية متوازنة، فهو في كلامه عن الصداقة، لا يدعو إلى مصادقة الجميع، ولا يفتح أبواب الثقة على مصارعها، بل يجعل الاختيار أول شروط الصداقة، فالصديق عنده ينبغي أن يكون صادقاً، بعيداً عن الكذب، والجهل، والشر، لأن هذه الصفات لا تفسد صاحبها فحسب، وإنما تمتد آثارها إلى من يخالطه؛ ولذلك يربط بين لفظ "الصديق" و"الصدق"، وكأن العلاقة لا تستحق هذا الاسم إذا فقدت أساسها الأخلاقي.
وتكشف هذه الرؤية عن عمق إدراكه للطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان يتأثر بمن يصاحب أكثر مما يظن، ولذلك تصبح الصداقة وسيلة للتربية، والارتقاء، كما قد تتحول إلى سبب للانحدار والانحراف، ومن هنا جاءت وصيته بأن يصاحب الإنسان أهل العقل، والفضل، والكرم، لأن الأخلاق الحسنة لا تنمو في العزلة، وإنما تزدهر بالمرافقة الصالحة، والتشجيع المتبادل.
وما أجمل قول أبي العتاهية:
| ألا إنّما الإخْوانُ عِنْدَ الحَقائِقِ | ولا خيرَ في ودِّ الصديقِ المُماذِقِ | |
| لَعَمْرُكَ ما شيءٌ مِنَ العَيشِ كلّهِ | أقرُّ لعيني من صديقٍ موافقِ | |
ومن أروع ما يميز هذه الفكرة، أن ندرك ضرورة التوازن في العلاقات الإنسانية، فنحذر من الانغلاق الذي يولد العداوة، كما نحذر في الوقت نفسه من الانفتاح غير المنضبط الذي يجلب صحبة السوء؛ فنصل إلى ما يمكن وصفه بـ"الاعتدال الاجتماعي"، الذي نميز به بين العامة والخاصة، ويتقرر بذلك أن الإنسان يحتاج إلى "لباسين": لباس التحفظ مع الجميع، ولباس الأنس، والانفتاح مع الأصدقاء الذين ثبت صدقهم بعد الاختبار، وهذا الأمر يتأكد اليوم ويصبح أكثر أهمية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط المعرفة العابرة بالصداقة الحقيقية، وتذوب الحدود بين الخصوصية، والعلن.
لقد أدرك الحكماء أن الثقة ليست هبة مجانية، وإنما ثمرة تجربة طويلة، وأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى على الكلمات وحدها، بل على المواقف التي تكشف معدن الإنسان عند الشدائد، ولذلك كانوا يرون أن حسن الاختيار هو أول أسباب سلامة النفس، واستقامة الحياة:
| وما أكثر الإخوان حين تعدهم | لكنهم في النائبات قليلُ ! | |
وإذا انتقلنا من رؤية الحكماء للصداقة إلى واقعنا المعاصر، وجدنا أن أزمة الصداقة ليست أزمة أفراد فقط، وإنما هي أزمة حضارية وثقافية، فقد شهد العالم الحديث تحولات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية عميقة، غيّرت طبيعة العلاقات بين الناس، وأصبحت المنفعة معياراً رئيساً في كثير من أشكال التواصل، وحلت العقود والمؤسسات محل الروابط الإنسانية التقليدية، فصار الإنسان يعرف الآخرين بوصفهم زملاء عمل، أو شركاء مشاريع، أو أعضاء في مؤسسة، أكثر مما يعرفهم بوصفهم أصدقاء.
وقد أسهمت الفلسفات الحديثة، بدرجات متفاوتة، في ترسيخ هذا التحول حين ركزت على العقلانية، والمنفعة الفردية، والعقد الاجتماعي، فأصبحت العلاقات تُقاس بما تحققه من مكاسب، لا بما تبنيه من مودة وألفة، صحيح أن هذه التصورات أسهمت في تنظيم الحياة المدنية، لكنها لم تستطع أن تعوض الإنسان عن حاجته الفطرية إلى الصداقة، ولا أن تملأ الفراغ العاطفي الذي خلفه تراجع العلاقات الوجدانية.
ولعل ما نشهده اليوم من اتساع دوائر العزلة، وارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، وتراجع الثقة بين الأفراد، ليس بعيداً عن هذا التحول، فالتكنولوجيا على الرغم من قدرتها على تقريب المسافات، لم تستطع دائماً أن تقرب القلوب، بل ربما أنتجت شكلاً جديداً من الوحدة؛ إذ أصبح الإنسان يمتلك مئات "الأصدقاء" في العالم الافتراضي، بينما يعجز أحياناً عن العثور على صديق واحد يشاركه همومه بصدق وإخلاص.
ومع ذلك، فإن الإنسان بطبعه ظل يقاوم هذا الجفاف الوجداني؛ فحتى النظريات الحديثة التي غلب عليها الطابع العقلاني، عادت لتؤكد أهمية التعاطف، والخير العام، والرعاية الاجتماعية، لأن التجربة الإنسانية أثبتت أن المجتمع لا يقوم بالقوانين وحدها، وإنما يحتاج إلى الثقة، والتراحم، والوفاء، وهي القيم التي تغذيها الصداقة الحقيقية.
ومن هنا تتجلى قيمة التراث الأخلاقي الذي تركه بناة الحضارة الإسلامية؛ فهو لا يقدم وصفة تاريخية منقطعة عن واقعنا، وإنما يضع بين أيدينا مبادئ إنسانية خالدة: اختيار الصديق على أساس الأخلاق، وتقديم العقل، والصدق على المصلحة، والتحلي بالوفاء، وضبط اللسان، وعدم التسرع في منح الثقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على روح الألفة والانفتاح.
إن إعادة الاعتبار للصداقة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة اجتماعية، وثقافية في زمن تتعرض فيه العلاقات الإنسانية إلى ضغوط غير مسبوقة. فالمجتمعات التي تفقد الثقة بين أفرادها تصبح أكثر هشاشة، مهما بلغت قوتها الاقتصادية، أو تقدمها التقني، أما المجتمع الذي يحافظ على شبكة من العلاقات الصادقة القائمة على المودة والوفاء، فإنه يمتلك رصيداً أخلاقياً يعزز تماسكه وقدرته على مواجهة الأزمات.
لقد سبقت حضارتنا الآخرين، حين أدركت أن بناء الإنسان يبدأ من بناء أخلاقه، وأن الصديق الصالح ليس زينة للحياة فقط، بل أحد أعمدة الاستقامة النفسية، والاجتماعية، وهو المعين على طاعة الله، وتحقيق غاية الاستخلاف في الأرض، وإذا كان عصرنا قد جعل المنفعة لغة التعامل، فإن استعادة المعنى الحقيقي للصداقة تمثل شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، لأنها تعيد الإنسان إلى إنسانيته، وتمنحه ما لا تستطيع المادة أن تمنحه: السكينة، والثقة، والشعور بأن الحياة لا تزال تتسع لعلاقات تُبنى على الصدق، والوفاء، لا على المصالح العابرة.
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

