الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإمام الحافظ ابن عبد البر

الإمام الحافظ ابن عبد البر

  الإمام الحافظ ابن عبد البر

امتاز الإمام ابن عبد البر بالموسوعية العلمية، فهو فقيه لا يشق له غبار، وهو من أوائل رجال الفقه الذين اهتموا بالفقه المقارن، فهو وإن كان رأساً في المالكية، لكنه كان كثيراً ما يأخذ بأقوال الشافعية، ويُرجِّحها على أقوال أصحاب مذهبه كما ذكر عنه غير واحد من العلماء، وهو أيضاً من رجال الحديث الذي يعتمد على ضبطهم وروايتهم، بل هو حافظ المغرب كما شاع وسط أهل العلم الذين يعتد بهم، قال أبو علي بن سكرة : سمعت أبا الوليد الباجي يقول : "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث، وهو أحفظ أهل المغرب".

قال الذهبي: "وكان أولاً أثرياً ظاهرياً فيما قيل، ثم تحول مالكياً مع ميل بَيِّنٍ إلى فقه الشافعي في مسائل، ولا ينكر له ذلك، فإنه مِمَّنْ بلغ رتبة الأئمة المجتهدين، ومن نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم، وقوة الفهم، وسيلان الذهن".
قال أبو علي الجياني: "وصبر أبو عمر على الطلب ودأب فيه ودرس وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس، وعظم شأن أبي عمر بالأندلس وعلا ذكره في الأقطار، ورحل إليه الناس وسمعوا منه، وألف تواليف مفيدة طارت في الآفاق".
وهو مع اهتماماته العلمية كان صدراً وحاضراً في حياة الناس اليومية فقد ولي القضاء، وأرسى العدل في أكثر من مكان، ولي قضاء الأشبونة وشنترين على أيام المظفر بن الأفطس.

مكانته وثناء العلماء عليه
ذكر المترجمون لأبي عمر أنه "قد بلغ رتبة الأئمة المجتهدين" وهم مجمعون على أنه كان إماماً ثقةً، متقناً، علامةً، متبحراً في العلوم ومن كبار حفاظ الحديث، وأنه مؤرخ أديب بحاثة.
قال الذهبي: "كان إماماً ديناً، ثقةً، متقناً، علامةً، متبحراً، صاحب سنة واتباع"
قال الحميدي: "أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي".

قال أبو علي الغساني: "دأب في طلب الحديث، وافتن به، وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس، وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه والمعاني؛ له بسطة كبيرة في علم النسب والأخبار".
قال الذهبي: "وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه".
قال أبو عبد الله بن أبي الفتح: " كان أبو عمر أعلم مَنْ بالأندلس في السنن والآثار واختلاف علماء الأمصار"
قال القاضي عياض: " شيخ علماء الأندلس وكبير محدّثيها في وقته، وأحفظ من كان بها لسنة مأثورة"
اسمه ونسبه

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر النمرى - من النمر بن قاسط من ربيعة - القرطبى المالكى من كبار حفاظ الحديث لقب بــ"حافظ المغرب"، أدرك الكبار، وطال عمره وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنف، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان.
مولده : ولد بقرطبة 368هـ
شيوخه
درس العلم على خيرة علماء زمانه، وأكابر الفقهائه، فمن شيوخه: أبي عمر أحمد بن عبد الملك الطلمنكي الفقيه، والباجي، و أبي الوليد ابن الفرضي، وعبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، وأبي محمد بن عبد المؤمن، وأبي محمد بن أسد.
قال الذهبي: "وقد أجاز له من ديار مصر أبو الفتح بن سيبخت صاحب البغوي، وعبد الغني بن سعيد الحافظ، وأجاز له من الحرم أبو الفتح عبيد الله السقطي، وآخر من روى عنه بالإجازة علي بن عبد الله بن موهب الجذامي".

تلاميذه
صدر على يد ابن عبد البر ثلة من العلماء البررة منهم: ابن حزم( قالوا: كان ينبسط إليه ويؤانسه، وعنه أخذ فن الحديث)، ومن تلاميذه: الحافظ أبي علي الغساني، والحافظ أبي عبد الله الحميدي، وأبي العباس بن دلهاث الدلائي، وأبي محمد بن أبي قحافة، وأبي الحسن بن مفوز، وأبي بحر سفيان بن العاص، ومحمد بن فتوح الأنصاري، وأبي داود سليمان بن أبي القاسم نجاح، وطائفة سواهم.

مؤلفاته
الإمام أبو عمر صاحبُ مؤلفات بديعة، وتصانيف فائقة يعتبر من أعلام المؤلفين، ومن كبار العلماء المجودين، قال الذهبي: "وكان موفقاً في التأليف، معاناً عليه، ونفع الله بتواليفه، وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث؛ له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر".
إن المُطًّلِع على ثَبْتِ مؤلفات ابن عبد البر يدرك أنه أمام قامة كبيرة، فمؤلفات الرجل تنبئ عن موسوعيته، واتساع باعه في العلوم، فقد كتب في الفقه والحديث والتراجم والسير ، والأدب، وفضل العلم وغير ذلك، وكل مؤلفاته أصبحت محط اهتمام العلماء من بعده، بل أضحت مصادر يعتمد عليها عند من جاء بعده إلى يوم الناس هذا
فمن مؤلفاته:
1- "الاستيعاب في تراجم الصحابة"، قال الذهبي: "وجمع كتاباً جليلاً مفيداً وهو: الاستيعاب في أسماء الصحابة.

2- "التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد" وقال أبو علي الغساني: "ألف أبو عمر في " الموطأ " كتباً مفيدة، منها كتاب: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، فرتبه على أسماء شيوخ مالك، على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله"، وقال ابن حزم: "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه؟"
قال عياض : " وهو كتاب لم يضع أحد مثله في طريقه".

قال ابن عبد البر عن كتابه" التمهيد" :

سمير فؤادي من ثلاثين حجّة وصاقل ذهني والمفرّج عن همّي
بسطت لهم فيه كلام نبيّهم لما في معانيـه من الفقه والعلمِ
وفيه من الآداب ما يهتدى به إلى البرّ والتقوى ونهيٌ عن الظلم


3- الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف.
4- الكافي في مذهب مالك.
5- الدرر في اختصار المغازي والسير.
6- الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار
7- جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله.
وله مؤلفات أخرى كثيرة نافعة نذكر منها:" الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو"، و" التقصي في اختصار الموطأ"، و" الإنباه عن قبائل الرواة"، و "الانتقاء لمذاهب الثلاثة العلماء مالك وأبي حنيفة والشافعي" و "البيان في تلاوة القرآن" و "الأجوبة الموعبة في الأسئلة المستغربة " و "الشواهد في إثبات خبر الواحد"، و"أشعار أبي العتاهية".

وفاته
: عُمِّر في طاعة الله والدعوة إليه، عاش خمسة وتسعين عاماً وتوفي بشاطبة عام 463هـ، ومن المفارقات أنّه توفي معه في العام نفسه الحافظ الخطيب البغدادي المؤرّخ ، والمحدّث المشهور، وكان يُعرف بحافظ المشرق، فقال الناس: "مات حافظا المشرق والمغرب في سنة واحدة".

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة