الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب النية في الوضوء وغيره من العبادات.

                                                                            206 - أخبرنا الإمام، رحمه الله، حدثنا الإمام الحسين بن مسعود، أنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجرائي، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي، قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن محمد الماليني، أنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، نا حبان بن موسى، وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية ابن أسماء، قالا: أنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

                                                                            هذا حديث متفق على صحته [ ص: 402 ] قوله: "إنما الأعمال بالنيات".

                                                                            لم يرد به حصول أعيانها، لأنها حاصلة حسا وصورة من غير أن تقترن بها النية، إنما أراد به صحتها حكما في حق الدين، فإنها لا تحصل إلا بالنية.

                                                                            وقوله: "إنما لامرئ ما نوى" فيه إيجاب تعيين النية، والنية: قصدك الشيء بقلبك، وهي تستدعي أمورا في أعمال الدين حتى يصح الامتثال أن تعرف الشيء الذي تقصده، وأن تعلم أنك مأمور به، وأن تطلب موافقة الآمر فيما تعبدك.

                                                                            وفيه دليل على وجوب النية في الوضوء والغسل والتيمم، كوجوبها في سائر العبادات، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي، وذهب جماعة إلى أنه يصح الوضوء والغسل بغير النية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي.

                                                                            وقال الأوزاعي: يصح الكل بغير النية. [ ص: 403 ] .

                                                                            واتفقوا على أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية، لأن طريقها طريق ترك المهجور، فلا تفتقر إلى النية، قياسا على ترك المحارم، والوضوء من باب العبادات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان".

                                                                            والعبادة تفتقر إلى النية قياسا على الصلاة والصوم وغيرهما.

                                                                            قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله". [ ص: 404 ] .

                                                                            أي: من قصد بالهجرة القربة إلى الله عز وجل، لا يخلطها بشيء من الدنيا، فهجرته مقبولة عند الله ورسوله، وأجره واقع على الله.

                                                                            "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" يريد: أن حظه من هجرته ما قصده من الدنيا، ولا حظ له في الآخرة.

                                                                            ويروى أن هذا جاء في رجل كان يخطب امرأة بمكة، فهاجرت إلى المدينة، فتبعها رغبة في نكاحها، فقيل له: مهاجر أم قيس.

                                                                            وكيفية النية: أن ينوي المحدث بوضوئه رفع الحدث، وينوي الجنب بغسله رفع الجنابة، والحائض تنوي غسل الحيض، أو ينوي [ ص: 405 ] كل واحد منهم استباحة فعل لا يستباح إلا بالطهارة، مثل أن ينوي فعل الصلاة، فرضا كان أو نفلا، أو صلاة الجنازة، أو حمل المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكر، فإن نوى الجنب، أو الحائض، الاعتكاف، أو قراءة القرآن، صح غسله لجميع الصلوات، ولا تصح هذه النية من المحدث، لأن المحدث يجوز له الاعتكاف وقراءة القرآن، وينوي المتيمم استباحة فرض الصلاة، ولا يصح تيممه بنية رفع الحدث، ولا يجب تعيين الفرض حتى لو تيمم لفريضة عينها، فلم يصلها، وصلى غيرها جاز، ولو تيمم لنافلة صح تيممه لها، ولا يجوز أداء الفرض به على أصح القولين، ولو تيمم لفريضة جاز أن يصلي به ما شاء من النوافل، وكذلك المستحاضة، وسلس البول ينويان استباحة الصلاة، ولا تصح طهارتهما بنية رفع الحدث، لأن الحدث بهما متصل لا يرتفع.

                                                                            ومحل النية القلب، فلو لم يتلفظ بلسانه لا يضر، وينبغي أن ينوي حالة ما يغسل يديه في ابتداء الوضوء، ويستديمها ذكرا إلى أن يغسل شيئا من الوجه، فإن عزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه، لم يصح وضوءه على الأصح، وإن عزبت بعد ما غسل شيئا من الوجه، فلا بأس، لأنه يشق عليه ذكرها إلى آخر الوضوء، ولو نوى عند غسل الوجه، ولم ينو قبله، صح وضوءه، ولا يحصل له ثواب ما فعل قبله من المضمضة والاستنشاق، فلو نوى في أثناء الوضوء التبرد والتنظف وهو ذاكر للنية الأولى، فلا بأس، وإن لم يكن ذاكرا لنية الطهارة، فعليه أن يعيد ما غسل بنية التبرد والتنظف بعد تجديد النية، والله أعلم. [ ص: 406 ] .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية