الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            جزء صفحة
                                                                            بَابُ قَدْرِ الْجِزْيَةِ. 2752 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: "بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ". . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ الْإِمَامُ : أَرَادَ بِالْحَالِمِ : الْبَالِغَ احْتَلَمَ أَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ ، وَالْمَعَافِرُ : نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ يَكُونُ بِالْيَمَنِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْبَالِغِينَ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَجَانِينِ وَلَا الْعَبِيدِ ، وَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ . وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الدِّينَارَ مَقْبُولٌ مِنَ الْغَنِيِّ وَالْوَسَطِ وَالْفَقِيرِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مَعَ تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْفَقِيرِ . وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ مُوسِرٍ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ ، وَعَلَى كُلِّ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَيْنِ ، وَعَلَى كُلِّ فَقِيرٍ دِينَارًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ : مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ ، قَالَ : جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ ، وَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زِيَادَةً عَلَى أَهْلِ الْجِزْيَةِ ، وَيُبَيِّنَ عَدَدَ الضِّيفَانِ مِنَ الرَّجَّالَةِ وَالْفُرْسَانِ ، وَعَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ ، وَيُبَيِّنَ جِنْسَ أَطْعِمَتِهِمْ ، وَعَلَفَ دَوَابِّهِمْ ، وَيُفَاوِتَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْوَسَطِ فِي الْقَدْرِ دُونَ جِنْسِ الْأَطْعِمَةِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَعَارِيَةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ قَوْسًا ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا ، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا ، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ فِيهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَتْ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ عَلَى أَنْ لَا يُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ ، وَلَا يُخْرَجُ لَهُمْ قِسٌ ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا ، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْدِ : الْحَرْبُ ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ ، وَأَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثًا ، وَلَا يَغْشَوْا مُسْلِمًا " ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَ مِائَةٍ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَلَوْ صَالَحَهُمْ عَلَى خَرَاجٍ ضَرَبَهُ عَلَى أَرَاضِيهِمْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَنْقُصْ فِي حَقِّ كُلِّ حَالِمٍ عَنْ دِينَارٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى عُشُورِ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ ، لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَقَدْ تُصِيبُهَا الْآفَةُ ، فَلَا يَحْصُلُ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ إِلَّا أَنْ يَشْرُطَ أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَبْلُغْ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ أَكْمَلُوهَا ، وَإِذَا اسْتَنْكَفُوا عَنِ اسْمِ الْجِزْيَةِ ، فَضَعَّفَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ ، فَجَائِزٌ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الْمَالِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ ، فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ الْمَالِ ضِعْفَ مَا يَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ ، وَمِنْ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَيْنِ وَمِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعَيْنِ ، وَمِنْ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمُ الْخُمُسَ ، وَمِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَالِ التِّجَارَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ ، وَمِنَ الرِّكَازِ خَمْسِينَ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ ، أَخَذَ مِنْهُ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ ، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَامَ نَصَارَى الْعَرَبَ عَلَى الْجِزْيَةِ ، فَقَالُوا : نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ ، وَلَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَعْنُونَ : الصَّدَقَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا فَرْضُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، قَالُوا : فَزِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ ، لَا بَاسِمِ الْجِزْيَةِ فَرَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ ضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ .

                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                            الخدمات العلمية