الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          قوله تعالى : قد جاءتكم بينة من ربكم ولم يذكر معجزته فأوفوا الكيل والميزان أي لا تنقصوا ولا تفسدوا في الأرض أي لا تعملوا فيها المعاصي بعد أن أصلحها بالأمر بالعدل ولا تقعدوا بكل صراط أي بكل طريق توعدون وإنما لم يقل بكذا لأن العرب إذا أخلت الفعل من المفعول لا يدل إلا على شر ، يقولون : أوعدت فلانا ، وكذلك إذا أفردوا " وعدت " من مفعول فإنه لا يدل إلا على خير ، قال الفراء : [ ص: 173 ] يقولون : وعدته خيرا ووعدته شرا ، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا : وعدته في الخير ، وأوعدته في الشر .

          وللمفسرين في المراد بهذا الإيعاد ثلاثة أقوال :

          أحدها : أنهم كانوا يوعدون من آمن بشعيب ، قاله ابن عباس ، والثاني : أنهم كانوا عشارين ، قاله السدي ، والثالث : أنهم كانوا يقطعون الطريق ، قاله ابن زيد .

          قوله تعالى : وتصدون عن سبيل الله أي تصرفون عن دينه من آمن به وتبغونها عوجا أي تطلبون للسبيل عوجا أي زيفا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم يحتمل ثلاثة أشياء :

          أحدها : كنتم فقراء فأغناكم ، وقليلا عددكم فكثركم ، وغير ذي مقدرة فأقدركم ، وكانوا مع كثرة أموالهم قد أغروا بالتطفيف .

          وكان من جملة ما ردوا عليه أصلاتك تأمرك أي دينك وقراءتك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا المعنى : أو أن نترك أن نفعل .

          وقرأ الضحاك بن قيس الفهري : ما نشاء فاستغنى عن الإضمار ، وقال سفيان الثوري : أمرهم بالزكاة فامتنعوا ، وقالوا : إنك لأنت الحليم الرشيد استهزاء به .

          فخوفهم أخذات الأمم وقال لا يجرمنكم شقاقي أي لا تحملنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا ، وكان أقرب الإهلاكات إليهم قوم لوط فقال : وما قوم لوط منكم ببعيد .

          فقالوا : ما نفقه كثيرا مما تقول أي ما نعرف صحة ذلك وإنا لنراك فينا ضعيفا وكان قد ذهب بصره ، كذا يقول سعيد بن جبير ، وقال ابن المنادي : وهذا إن ثبت كان في آخر عمره لأنه لا يبعث نبي أعمى ، قال أبو روق : لم يبعث الله نبيا أعمى ولا من به زمانة ، قال ابن المنادي : وهذا القول أليط بالقلوب من قول سعيد بن جبير .

          ولولا رهطك يعني عشيرتك لرجمناك أي لقتلناك بالرجم ، فقال لهم : أرهطي أعز عليكم من الله أي تراعون رهطي في ولا تراعون الله في واتخذتموه وراءكم ظهريا أي رميتم أمر الله وراء ظهوركم .

          ثم كان آخر أمره أن قال : وارتقبوا إني معكم رقيب قال ابن عباس رضي الله عنهما : ارتقبوا [ ص: 174 ] العذاب فإني أرتقب الثواب ، قال محمد بن كعب : عذب أهل مدين بثلاثة أصناف : أخذتهم رجفة في ديارهم حتى خافوا أن تسقط عليهم ، فخرجوا منها فأصابهم حر شديد ، فبعث الله تعالى الظلة فنادوا : هلموا إلى الظل ، فدخلوا فيه فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم .

          وهذا القول على أن أهل مدين أصحاب الظلة ، وإليه ذهب جماعة من العلماء فعلى هذا إنما حذف ذكر الأخ من سورة الشعراء تخفيفا .

          وذهب مقاتل إلى أن أهل مدين لما هلكوا بعث شعيب إلى أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة .

          قال أبو الحسن بن المنادي : وكان أبو جاد وهواز وحطي وكلمون وسعفص وقريشات بن الأمحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم ملوكا ، وكان أبو جاد ملك مكة وما والاها من تهامة ، وكان هواز وحطي ملكي وج وهو الطائف ، وكان سعفص وقريشات ملكي مدين ، ثم خلفهم كلمون فكان عذاب يوم الظلة في ملكه ، فقالت حالفة بنت كلمون ترثيه :


          كلمون هد ركني هلكه وسط المحله     سيد القوم أتاه الـــ
          ـــحتف نار وسط ظله     كونت نارا فأضحت
          دارهم كالمضمحله

          قال ابن المنادي : ثم إن شعيبا مكث في أصحاب الأيكة باقي عمره يدعوهم إلى الله تعالى فما ازدادوا إلا عتوا فسلط عليهم الحر ، فجائز أن يكون الأمتان اتفقتا في التعذيب .

          وقد قال قتادة : أما أهل مدين فأخذتهم الصيحة والرجفة ، وأما أصحاب الأيكة فسلط عليهم الحر سبعة أيام ، ثم إن الله تعالى أرسل عليهم نارا فأكلتهم ، فذلك عذاب يوم الظلة .

          ثم إن شعيبا زوج موسى ابنته ، ثم خرج إلى مكة فمات بها وكان عمره مائة وأربعين سنة ، ودفن في المسجد الحرام حيال الحجر الأسود .

          واعلم أن الله تعالى عظم ذكر البخس في قصتهم وشدد فيه وأطنب في ذكره وأشار إلى التوحيد ، لينبهنا على ما نرتكبه فإذ قد عرفنا قبح الشرك لم نحتج إلى الإطناب في ذكره ، وكذلك عاب قوم لوط بالفاحشة وبالغ في ذكرها ، وكل ذلك لتخويفنا .

          قال ابن عباس : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى : ويل للمطففين .

          [ ص: 175 ] واعلم أنه خوف المطففين بذكر الويل لهم ثم قال : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون والمعنى : لو ظنوا البعث ما بخسوا يوم يقوم الناس لرب العالمين أي لأمر الجزاء .

          وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه وقال كعب : يقفون ثلاثمائة عام .

          أخبرنا ابن الحصين ، أنبأنا ابن المذهب ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا سفيان ، عن العلاء ، عن أبيه عن أبي هريرة ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله : كيف تبيع ؟ فأخبره ، فأوحى الله تعالى إليه : أدخل يدك فيه ، فأدخل يده فإذا هو مبلول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من غش .

          وقد روينا عن محمد بن واسع أنه رئي يعرض حمارا له على البيع فقال له رجل : أترضاه لي ؟ قال : لو رضيته لم أبعه .

          وفي أفراد البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال من حلال أم حرام .

          وفي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة فقال : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية