وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار [ ص: 446 ] شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور
ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام قال : إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع. قتادة
فنزلت هذه الآية، يقول: لو كان ما في الأرض من شجرة بريت أقلاما، وكان البحر مدادا ومعه سبعة أبحر مدادا مثله، وهو قوله: والبحر يمده قرئ نصبا بالعطف على ما، ورفعا بالاستئناف، كأنه كان قال: والبحر هذه حاله، وهي أن تنصب فيه سبعة أبحر، ونزيده بمائها، فكتبت بتلك الأقلام، لنفد المداد قبل أن ينفد علم الله، وهو قوله: ما نفدت كلمات الله قال جماعة المفسرين: يعني علم الله، والمعنى: كلمات الله التي هي عبارة عن معلوماته، ولما كان معلوم الله لا يتناهى، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى، والآية مختصرة، ويكون تقدير الكلام: فكتبت بهذه الأقلام البحور ما نفدت كلمات الله.
قوله: ما خلقكم ولا بعثكم الآية، قال : إن كفار قريش قالوا: إن الله خلقنا أطوارا، نطفة، علقة، مضغة، فكيف يبعثنا الله خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فأنزل الله هذه الآية، يقول: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعا إلا كبعث نفس واحدة. مقاتل
قال : أي قدرة الله على بعث الخلق كلهم وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة. الزجاج
إن الله سميع لما قالوا من أمر الخلق والبعث، بصير به.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله قال : يريد أن ذلك كله من نعمة الله عليكم. ابن عباس
ليريكم من آياته من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاء الرزق، إن في ذلك لآيات لكل صبار عن معاصي الله شكور لنعمه، قال : يعني المؤمن. مقاتل
وإذا غشيهم يعني: الكفار يقول إذا علاهم موج وهو ما ارتفع من الماء كالظلل كالجبال، أو السحاب التي تظل من تحتها خافوا الغرق والهلاك، ف دعوا الله مخلصين له الدين وهذا كقوله: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وكان سبب إسلام هذا، وهو إخلاصهم عكرمة بن أبي جهل الدعاء في البحر.
أخبرنا الأستاذ أبو طاهر الزيادي، رحمه الله ، أنا محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل ، نا ، نا أحمد بن يوسف السلمي ، نا أحمد بن المفضل ، قال: زعم أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن مصعب بن سعد أبيه ، قال: ، : عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي اليسر ، فأما فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غير الله، اللهم إن لك علي إن أنت عافيتني مما أنا فيه [ ص: 447 ] أن آتي عكرمة محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما فجاء فأسلم. لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إلا أربعة نفر "، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة
أخبرنا أبو نصر المهرجاني ، أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، أنا ، نا أبو الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد أيوب ، عن ، قال: ابن أبي مليكة ، فركب البحر، فخب بهم البحر، فجعل الناس ومن في السفينة يدعون الله ويستغيثون به، فقال: ما هذا؟ فقيل: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله. عكرمة بن أبي جهل
فقال : وهذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه، ارجعوا بنا. عكرمة
فرجع، فأسلم. لما كان يوم الفتح، هرب
وقوله: فلما نجاهم إلى البر أي: من هول ما هم فيه، نجاهم حتى أفضوا إلى البر، فمنهم مقتصد أي: عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: من ثبت على إيمانه، ثم ذكر الذي ترك التوحيد في البر، يقول: وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار غادر بعهده، والختر سوء الغدر وأقبحه، كفور لله في نعمه.