الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم  ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير  ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير  ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير  ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار [ ص: 446 ] شكور  وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور  

                                                                                                                                                                                                                                      ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام قال قتادة : إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع.

                                                                                                                                                                                                                                      فنزلت هذه الآية، يقول: لو كان ما في الأرض من شجرة بريت أقلاما، وكان البحر مدادا ومعه سبعة أبحر مدادا مثله، وهو قوله: والبحر يمده قرئ نصبا بالعطف على ما، ورفعا بالاستئناف، كأنه كان قال: والبحر هذه حاله، وهي أن تنصب فيه سبعة أبحر، ونزيده بمائها، فكتبت بتلك الأقلام، لنفد المداد قبل أن ينفد علم الله، وهو قوله: ما نفدت كلمات الله قال جماعة المفسرين: يعني علم الله، والمعنى: كلمات الله التي هي عبارة عن معلوماته، ولما كان معلوم الله لا يتناهى، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى، والآية مختصرة، ويكون تقدير الكلام: فكتبت بهذه الأقلام البحور ما نفدت كلمات الله.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ما خلقكم ولا بعثكم الآية، قال مقاتل : إن كفار قريش قالوا: إن الله خلقنا أطوارا، نطفة، علقة، مضغة، فكيف يبعثنا الله خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فأنزل الله هذه الآية، يقول: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعا إلا كبعث نفس واحدة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : أي قدرة الله على بعث الخلق كلهم وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة.

                                                                                                                                                                                                                                      إن الله سميع لما قالوا من أمر الخلق والبعث، بصير به.

                                                                                                                                                                                                                                      وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله قال ابن عباس : يريد أن ذلك كله من نعمة الله عليكم.

                                                                                                                                                                                                                                      ليريكم من آياته من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاء الرزق، إن في ذلك لآيات لكل صبار عن معاصي الله شكور لنعمه، قال مقاتل : يعني المؤمن.

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا غشيهم يعني: الكفار يقول إذا علاهم موج وهو ما ارتفع من الماء كالظلل كالجبال، أو السحاب التي تظل من تحتها خافوا الغرق والهلاك، ف دعوا الله مخلصين له الدين وهذا كقوله: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وكان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل هذا، وهو إخلاصهم الدعاء في البحر.  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا الأستاذ أبو طاهر الزيادي، رحمه الله ، أنا محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل ، نا أحمد بن يوسف السلمي ، نا أحمد بن المفضل ، نا أسباط بن نصر ، قال: زعم السدي ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إلا أربعة نفر "، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة : عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي اليسر ، فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غير الله، اللهم إن لك علي إن أنت عافيتني مما أنا فيه [ ص: 447 ] أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما فجاء فأسلم.  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر المهرجاني ، أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، أنا أبو الربيع الزهراني ، نا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، قال: لما كان يوم الفتح، هرب عكرمة بن أبي جهل ، فركب البحر، فخب بهم البحر، فجعل الناس ومن في السفينة يدعون الله ويستغيثون به، فقال: ما هذا؟ فقيل: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال عكرمة : وهذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه، ارجعوا بنا.

                                                                                                                                                                                                                                      فرجع، فأسلم.
                                                                                                                                                                                                                                       


                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: فلما نجاهم إلى البر أي: من هول ما هم فيه، نجاهم حتى أفضوا إلى البر، فمنهم مقتصد أي: عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: من ثبت على إيمانه، ثم ذكر الذي ترك التوحيد في البر، يقول: وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار غادر بعهده، والختر سوء الغدر وأقبحه، كفور لله في نعمه.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية