هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا [ ص: 462 ] قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا
هنالك عند ذلك وفي تلك الحال، ابتلي المؤمنون اختبروا ليتبين المخلص من المنافق، وزلزلوا زلزالا شديدا أزعجوا وحركوا إزعاجا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكانه.
وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا قال : إن المنافقين قالوا يوم ابن عباس الخندق : إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء.
و ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وقال : قال أناس من المنافقين: يعدنا قتادة محمد أن يفتح قصور الشام وفارس ، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، وقال : قالوا: يعدنا مقاتل محمد اليمن وفارس والروم ، ولا نستطيع أن نبرز إلى الخلاء، هذا والله الغرور.
وإذ قالت طائفة منهم قال : هم مقاتل بنو سالم من المنافقين، وقال : يعني السدي عبد الله بن أبي وأصحابه.
يا أهل يثرب قال : أبو عبيدة يثرب اسم أرض ومدينة الرسول عليه السلام في ناحية منها.
لا مقام لكم لا مكان لكم تقيمون فيه، وقرأ عاصم بضم الميم، والمعنى: إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقاما.
فارجعوا إلى المدينة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء المنافقون الذين ثبطوا الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لكم هاهنا موضع إقامة لكثرة العدو وغلبة الأحزاب.
ويستأذن فريق منهم النبي في الرجوع إلى المدينة ، وهم بنو حارثة ، وبنو سلمة ، يقولون إن بيوتنا عورة ليست بحريزة، قال ، مجاهد ، ومقاتل : قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق، وقال والحسن : قالوا إن بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن على أهلينا، فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار، فقال تعالى: قتادة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ما يريدون إلا فرارا من القتال ومضرة للمؤمنين، قال : يقال: عور المكان يعور عورا وعورة وهو عور وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر. الزجاج
قال الله تعالى: "ولو دخلت" المدينة، عليهم يعني هؤلاء الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب من أقطارها نواحيها، ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني الشرك في قول الجميع، قال ، ابن عباس : يقول الله تعالى: لو أن الأحزاب دخلوا ومقاتل المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا، وهو قوله: لآتوها أي: لأعطوهم ما سألوا، وقرأ الحجازيون لأتوها بالقصر، أي لفعلوها، من [ ص: 463 ] قولك: أتيت الخير، أي فعلته.
وما تلبثوا بها إلا يسيرا قال : وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات في المواطن، فقال: قتادة ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل من قبل الخندق، لا يولون الأدبار من قبل الخندق ، لا ينهزمون ولا يولون العدو ظهورهم، وكان عهد الله مسئولا يسألون عنه في الآخرة، ثم أخبر أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم، فقال: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل قال : لأن من حضر أجله مات أو قتل. ابن عباس
وإذا لا تمتعون إلا قليلا لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا مدة آجالكم، ثم أخبر أن ما قدر عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم بقوله: قل من ذا الذي يعصمكم من الله يجيركم منه، إن أراد بكم سوءا هلاكا وهزيمة، أو أراد بكم رحمة خيرا، وهو النصر، وهذا كله أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بهذه الأشياء، ثم أخبر الله أنه لا قريب لهم ينفعهم، ولا ناصر ينصرهم من دون الله، يقول: ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا .