الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ خَرَجَ كَالْمَنْشُورِ عَنْهُمْ، فَقَصَدَ الْبَحْرَ وَرَكِبَ السَّفِينَةَ، وَكَانَ بِذَهَابِهِ إِلَى الْفُلْكِ كَالْفَارِّ مِنْ مَوْلَاهُ، فَوُصِفَ بِالْإِبَاقِ، فَسَاهَمَ فَقَارَعَ، فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ الْمَغْلُوبِينَ وَالْمَقْرُوعِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ فَوَقَفَتْ، فَقَالَ الْمَلَّاحُونَ: هَاهُنَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ سَيِّدِهِ، وَهَذَا رَسْمُ السَّفِينَةِ، إِذَا كَانَ فِيهَا عَبْدٌ آبِقٌ لَا تَجْرِي، فَأَقْرَعُوا فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ ، فَقَالَ: أَنَا الْآبِقُ، وَزَجَّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَمَّا اسْتَهَمُوا جَاءَ حُوتٌ إِلَى السَّفِينَةِ فَاغِرًا فَاهُ يَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّهِ، حَتَّى إِذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ أَخَذَهُ الْحُوتُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ يُقَالُ: لَقَمْتُ اللُّقْمَةَ وَالْتَقَمْتُهَا إِذَا ابْتَلَعْتُهَا، وَهُوَ مُلِيمٌ مُسْتَحِقٌّ اللَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى مَا يُلَامُ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ إِلَى السَّفِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ اللَّوْمَ وَالتَّأْدِيبَ، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنِ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ، مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الْمُصَلِّينَ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لَصَارَ لَهُ بَطْنُ الْحُوتِ قَبْرًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ حُبَيْرٍ : شُكْرُ اللَّهِ قَدْ يَمَسُّهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ : اذْكُرُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، فَإِنَّ يُونُسَ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا ذَاكِرًا لِلَّهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الْآيَتَيْنِ، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَبْدًا طَاغِيًا نَاسِيًا ذِكْرَ اللَّهِ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ: آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ : لَبِثَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ : عِشْرِينَ يَوْمًا، وَقَالَ عَطَاءٌ : سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ضُحًى، وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ يَعْنِي: الْمَكَانَ الْخَالِي مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ، قَالَ مُقَاتِلٌ : بِالْبَرَازِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : يَعْنِي وَجْهَ الْأَرْضِ، وَهُوَ سَقِيمٌ قَدْ بَلِيَ لَحْمُهُ مِثْلَ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ كُلُّ شَجَرَةٍ لَا تَقُومُ عَلَى سَاقٍ إِنَّمَا تَمْتَدُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ يَقْطِينٌ، مِثْلَ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْظَلِ وَالْبِطِّيخِ. قَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي الْقَرْعَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمِيعِ، قَالُوا: كَانَ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِنَ الشَّمْسِ، وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أُرْوِيَّةً مِنَ الْوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَكَانَ يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ قَالَ قَتَادَةُ : أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمُوصِلِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ يَزِيدُونَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَقَوْلِهِ: عُذْرًا أَوْ نُذْرًا الْمَعْنَى: وَيَزِيدُونَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ : أَوْ هَاهُنَا بِمَعْنَى بَلْ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : أَوْ هَاهُنَا عَلَى أَصْلِهِ، وَمَعْنَاهُ أَوْ يَزِيدُونَ فِي تَقْدِيرِكُمْ إِذَا رَآهُمُ الرَّائِي قَالَ هَؤُلَاءِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَالشَّكُّ إِنَّمَا دَخَلَ فِي حِكَايَةِ قَوْلِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ مُقَاتِلٌ ، وَالْكَلْبِيُّ : كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقَالَ الْحَسَنُ : بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : سَبْعِينَ أَلْفًا. فَآمَنُوا يَعْنِي الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يُونُسُ ، فَمَتَّعْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، "إِلَى حِينٍ" إِلَى مُنْتَهَى آجَالِهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية