الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الصيدلاني ، نا محمد بن عبد الله بن محمد البيع ، أنا أبو العباس السياري ، نا إبراهيم بن هلال ، نا علي بن الحسن بن شقيق ، أنا الحسين بن واقد ، حدثني ثابت البناني ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن ، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله أبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل جئتم في عهد ، أو هل جعل لكم أحد أمانا ؟ فقالوا : اللهم لا ، فخلى سبيلهم فأنزل الله عز وجل : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر الفارسي ، أنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، نا إبراهيم بن محمد ، نا مسلم ، حدثني عمرو الناقد ، نا يزيد بن هارون ، أنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأخذهم سلما فاستحياهم [ ص: 143 ] وأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم  والمعنى أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا ، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح ثم ذكر سبب منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام دخول مكة ، فقال : هم الذين كفروا يعني : كفار مكة ، وصدوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به ، وتحلوا من عمرتكم ، والهدي وصدوا الهدي ، وهي : البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ، وكانت سبعين بدنة ، معكوفا محبوسا ، يقال : عكفته عن كذا عكفا ، أي : حبسته فعكف عكوفا ، كما يقال : رجعته رجعا ، فرجع رجوعا ، أن يبلغ محله منحره ، وهو حيث تحل نحره يعني : الحرم ، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يعني : المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار ، لم تعلموهم لم تعرفوهم ، أن تطؤوهم بالقتل وتوقعوا بهم ، قال الزجاج : المعنى : لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ، ونساء مؤمنات .

                                                                                                                                                                                                                                      فتصيبكم منهم معرة إثم ، وجناية بغير علم ، وذلك : أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون ، لم يتميزوا من الكفار ، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة ، وتلحقهم سبة بأنهم قتلوا من هو على دينهم ، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها ، وقوله : بغير علم موضعه التقديم ؛ لأن التقدير : لولا أن تطؤوهم بغير علم ، ليدخل الله في رحمته من يشاء اللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير : حال بينكم وبينهم ، ليدخل الله في رحمته من يشاء ، يعني : من أسلم من الكفار بعد الصلح ، لو تزيلوا لو تميزوا ، يعني : المؤمنين من الكفار ، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما يعني : بالقتل ، والسبي بأيديكم .

                                                                                                                                                                                                                                      إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية وهي الأنفة والإنكار ، يقال : فلان ذو حمية منكرة ، إذا كان ذا غضب وأنفة ، قال المقاتلان : قال أهل مكة : قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ، ويدخلون علينا في منازلنا ، فتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا رغم أنفنا ! واللات والعزى لا يدخلونها عليها .

                                                                                                                                                                                                                                      فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم ، فأنزل الله [ ص: 144 ] سكينته على رسوله وعلى المؤمنين حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية ، فيعصوا الله في قتالهم ، وقوله : وألزمهم كلمة التقوى وهي : لا إله إلا الله ، الكلمة التي ينفى بها الشرك .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبيد الله المخلدي ، أنا محمد بن محمد بن يعقوب ، أنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، نا الحسن بن قزعة ، نا سفيان بن حبيب ، نا شعبة ، عن ثوير ، عن أبيه ، عن أبي الطفيل ، عن أبيه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وألزمهم كلمة التقوى قال : لا إله إلا الله .  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان ، أنا أحمد بن جعفر القطيعي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، نا عبد الوهاب الخفاف ، نا شعبة ، عن قتادة ، عن مسلم بن يسار ، عن حمدان بن أبان ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار " فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنا أحدثك ما هي ، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله تعالى محمدا وأصحابه ، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب عند الموت ، شهادة أن لا إله إلا الله وكانوا أحق بها  من كفار مكة ، وكانوا أهلها في علم الله ؛ لأن الله تعالى اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ولدينه أهل الخير ، ومن هم أولى بالهداية من غيرهم ، وكان الله بكل شيء عليما من أمر الكفار وما يستحقونه ، وأمر المؤمنين وما يستحقونه .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية