الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما  

                                                                                                                                                                                                                                      محمد رسول الله قال ابن عباس : شهد له بالرسالة .

                                                                                                                                                                                                                                      والذين معه قال : يعني : أهل الحديبية .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال مقاتل : والذين آمنوا معه من المؤمنين .

                                                                                                                                                                                                                                      أشداء على الكفار غلاظ عليهم ، كالأسد على فريسته ، رحماء بينهم متوادون ببعضهم لبعض ، كالولد لوالده ، والعبد لسيده ، كقوله تعالى : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، تراهم ركعا سجدا إخبار عن كثرة صلاتهم ، ومداومتهم عليها ، يبتغون فضلا من الله ورضوانا يعني : الجنة ، ورضا الله ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود لكثرة صلاتهم بالليل ، يتبين في وجوههم أثر السهر ، قال الضحاك : إذا سهر الرجل أصبح مصفرا .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال عطية : مواضع السجود أشد وجوههم بياضا يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قول الزهري ، وقال مجاهد : هو الخشوع والتواضع .

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول ابن عباس ، في رواية الوالبي ، قال : الهدى والسمت الحسن .

                                                                                                                                                                                                                                      المعنى : أن السجود أورثهم ذلك الخشوع ، والسمت الحسن الذي يعرفون به ،  وقال عكرمة : هو التراب على الجباه .

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو العالية : لأنهم يسجدون على التراب ، لا على الأثواب .

                                                                                                                                                                                                                                      ذلك مثلهم في التوراة يعني : ما ذكر من وصفهم هو ما وصفوا به في التوراة أيضا ، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل ، فقال : ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي : فراخه ، وجمعه أشطاء ، يقال : أشطأ الزرع إذا فرخ ، والشطأ والشطأ لغتان ، كالنهر والنهر ، فآزره ستره ، وأعانه ، وقواه ، قال المبرد : يعني : أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 147 ] وقرأ ابن عامر : فأزره مقصورا ، قال الفراء : أزرت فلانا آزره ، إذا قويته .

                                                                                                                                                                                                                                      فاستغلظ أي : غلظ ذلك الزرع ، فاستوى على سوقه قام على قصبه وأصوله ، فأعجب ذلك زراعه ، وهو قوله : يعجب الزراع وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فالزرع محمد ، والشطأ أصحابه ، والمؤمنون حوله ، وكانوا في ضعف وقلة كما كان أول الزرع دقيقا ، ثم غلظ وقوي ، وتلاحق ، كذلك المؤمنون قوى بعضهم بعضا ، حتى استغلظوا ، واستووا على أمرهم ، ليغيظ بهم الكفار أي : إنما كثرهم وقواهم ، ليكونوا غيظا للكافرين .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر بن الحارث ، أنا أبو الشيخ ، نا العباس بن الفضل بن شاذان ، نا رستة ، نا أبو غزوة ، قال : كنا عند مالك بن أنس ، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال مالك : من أصبح من الناس ، وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم
                                                                                                                                                                                                                                       قال الزجاج : منهم تخليص للجنس ، وليس يريد بعضهم ، لأنهم كلهم مؤمنون .

                                                                                                                                                                                                                                      مغفرة وأجرا عظيما يعني : الجنة .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية