الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      حدثنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني إملاء ، أنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أنا محمد بن عبد الله بن سليمان ، نا جعدية بن يحيى الليثي ، عن العلاء بن بشير ، عن سفيان الثوري ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لفاسق غيبة " ثم ضرب للغيبة مثلا ، فقال : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا  قال الزجاج : تأويله : إن ذكرك بسوء من لم يحضرك ، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد : لما قيل لهم : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا : لا .

                                                                                                                                                                                                                                      قيل : فكرهتموه أي : فكما كرهتم هذا ، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا .

                                                                                                                                                                                                                                      ويقال للمغتاب : فلان يأكل لحوم الناس .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم ، أنا أبو عمرو بن نجيد ، نا جعفر بن محمد بن سوار ، أنا قتيبة بن سعيد ، نا يحيى بن زكريا ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : مر عمرو بن العاص على بغل ميت ، فقال : لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يمتلئ جوفه خير له من أن يأكل من لحم رجل مسلم .  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب ، أنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني ، أنا محمد بن إسحاق السراج ، نا قتيبة ، عن مروان بن سالم القرشي ، نا [ ص: 158 ] مسعدة بن اليسع ، عن الربيع بن صبيح ، عن يزيد الرقاشي : أن رجلا اغتاب عنده رجلا ، قال : فأخبرني أنه رأى في المنام ، كأن زنجيا أتاه بطبق عليه جنب لحم خنزير لم أر لحما أنتن منه ، فقال : كل .

                                                                                                                                                                                                                                      فقلت : آكل لحم خنزير ! قال : فتهددني ، وقال لي : كل .

                                                                                                                                                                                                                                      فأكلت ، قال يزيد : فحلف لي أنه لم يزل شهرا يجد نتن ذلك في فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      واتقوا الله في الغيبة ، إن الله تواب على من تاب ، رحيم به .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى يعني : آدم وحواء ، أي : إنكم متساوون في النسب ؛ لأن كلكم يرجع بالنسب إلى آدم وحواء ، نزلت الآية في الزجر عن التفاخر بالأنساب .  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا محمد بن الحسن بن علي بن بحر ، نا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، نا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إنما أنتم من رجل وامرأة كطف الصاع ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى" .  

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر أنه إنما فرق بين أنساب الناس ، ليتعارفوا ، لا ليتفاخروا ، فقال : وجعلناكم شعوبا وهي جمع شعب ، وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة ، والقبائل دونها ، وهم كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر ، هذا قول جماعة المفسرين ، وروى عطاء ، عن ابن عباس ، قال : يريد بالشعوب الموالي ، وبالقبائل العرب .

                                                                                                                                                                                                                                      وإلى هذا ذهب قوم ، فقالوا : الشعوب من العجم ، وهم من لا يعرف لهم أصل ، ولا نسب كالهند ، والجيل ، والترك ، والقبائل من العرب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : لتعارفوا أي :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 159 ] يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده ، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم ، فقال : إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن عبدان ، نا محمد بن عبد الله بن حمدويه ، نا محمد بن يعقوب الشيباني ، نا محمد بن عبد الوهاب ، نا محمد بن الحسن المخزومي ، حدثتني أم سلمة بنت العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيها ، عن جدها ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة : أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم فيه ، ورفعتم أنسابكم فاليوم أرفع نسبي وأضيع أنسابكم ، أين المتقون أين المتقون إن أكرمكم عند الله أتقاكم  أخبرنا أبو الحسن محمد أحمد بن محمد بن الفضل ، أنا أبو يعلى النسفي ، أنا محمد بن يونس الكريمي ، نا أبو عاصم ، نا موسى بن عبيد ، عن سعيد المقبري ، قال : سأل رجل عيسى ابن مريم عليه السلام : أي الناس أفضل ؟ فأخذ قبضتين من تراب ، فقال : أي هاتين أفضل ؟ الناس خلقوا من تراب ، فأكرمهم عند الله أتقاهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : أكرم الكرم التقوى ، وألأم اللؤم الفجور .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال صلى الله عليه وسلم : " من سره أن يكون أكرم الناس ، فليتق الله بقوله "   .

                                                                                                                                                                                                                                      قالت الأعراب آمنا نزلت في بني أسد ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة ، وأظهروا الإسلام ، [ ص: 160 ] ولم يكونوا مؤمنين في السر ، إنما كانوا يطلبون الصدقة ، والمعنى : أنهم يقولون : صدقنا ما جئت به .

                                                                                                                                                                                                                                      قل لم تؤمنوا لم تصدقوا ، ولكن قولوا أسلمنا انقدنا واستسلمنا ، مخافة القتل والسبي ، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان ،  بقوله : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : الإسلام إظهار الخضوع ، وقبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يحقن الدم ، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد ، وتصديق بالقلب ، فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي : لم تصدقوا ، إنما أسلمتم تعوذا من القتل .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، نا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، نا إبراهيم بن يعقوب ، نا زيد بن الحباب ، نا علي بن مسعدة ، حدثني قتادة ، حدثني أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام علانية والإيمان في القلب ، وأشار إلى صدره " وإن تطيعوا الله ورسوله  قال ابن عباس : تخلصوا الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                                      لا يلتكم من أعمالكم شيئا وقرأ أبو عمرو لا يألتكم بالألف ، من ألت يألت ألتا إذا نقص ، ويقال أيضا : لات يليت ليتا بهذا المعنى ، قال ابن عباس ، ومقاتل : لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم نعت الصادقين في إيمانهم ، فقال : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وذلك أن الجهاد مع النبي صلى الله عليه [ ص: 161 ] وسلم كان فرضا في ذلك الوقت ، أولئك هم الصادقون في إيمانهم ، فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحلفون أنهم مؤمنون صادقون .

                                                                                                                                                                                                                                      وعرف الله غير ذلك منهم ، فأنزل : قل أتعلمون الله بدينكم  علم هاهنا بمعنى : أعلم ، لذلك أدخلت الباء في بدينكم ، يقول : أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه ؟ أي : أنه عالم بذلك ، لا يحتاج إلى إخباركم به ، وهو قوله : والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وكان هؤلاء الأعراب يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئناك بالعيال ، والمال ، والأنفال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان .

                                                                                                                                                                                                                                      يمنون عليه بذلك ، فأنزل الله تعالى : يمنون عليك أن أسلموا الآية ، وهي ظاهرة إلى آخر السورة .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية