الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قَوْلُهُ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ يَعْنِي: مَا أَدَّيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ مَفْرُوضَةٍ، أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ يَعْنِي: تَطَوَّعْتُمْ بِصَدَقَةٍ، وَ "النَّذْرُ": مَا يَلْتَزِمُهُ الْإِنْسَانُ لِلَّهِ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكُلُّ مَا نَوَى الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ فَهُوَ نَذْرٌ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أَيْ: يُجَازِي بِهِ، فَدَلَّ بِذِكْرِ الْعِلْمِ عَلَى تَحْقِيقِ الْجَزَاءِ، وَعَادَتِ الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ: يَعْلَمُهُ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ لِأَنَّهَا اسْمٌ. وَقَوْلُهُ: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ وَعِيدٌ لِمَنْ أَنْفَقَ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ، مِنْ رِيَاءٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَوْ مِنْ مَالٍ مَغْصُوبٍ مَأْخُوذٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ. وَ "الْأَنْصَارُ": جَمْعُ نَصِيرٍ، بِمَعْنَى نَاصِرٍ، يَعْنِي: لَا أَحَدَ يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: صَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ أَمْ صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ؟ قَوْلُهُ: فَنِعِمَّا هِيَ أَيْ: فَنِعْمَ شَيْئًا إِبْدَاؤُهَا، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فَنَعِمَّا بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ; لِأَنَّ أَصْلَ "نَعِيمٍ": نَعِمَ، كَمَا قَالَ طَرْفَةُ: نَعِمَ السَّاعُونَ فِي الْأَمْرِ الْمُبِرْ وَقَرَأَ نَافِعٌ: (فَنِعِمَّا ) - بِكَسْرِ النُّونِ وَالْعَيْنِ - أَتْبَعَ الْعَيْنَ النُّونَ فِي الْكَسْرِ حِذَارًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ: هِيَ لُغَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "نِعْمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" . هَكَذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ (بِالصَّدَقَاتِ ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ: التَّطَوُّعُ، لَا الْفَرْضُ; لِأَنَّ الْفَرْضَ إِظْهَارُهُ أَفْضَلَ مِنْ كِتْمَانِهِ، وَالتَّطَوُّعُ كِتْمَانُهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: جَعَلَ اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا، يُقَالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا. وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَانِيَتَهَا أَفْضَلَ مِنْ سِرِّهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَالِحَةً، وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ، وَقَوْلُهُ: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ "التَّكْفِيرُ" مَعْنَاهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، يُقَالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ. أَيْ: سَتَرَ ذَنْبَ الْحِنْثِ بِمَا بَذَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَ "الْكَفَّارَةُ": السَّاتِرَةُ لِمَا حَصَلَ مِنَ الذَّنْبِ. وَقُرِئَ (وَنُكَفِّرْ ) بِالْجَزْمِ، عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ "مِنْ" هَاهُنَا: صِلَةٌ لِلْكَلَامِ، يُرِيدُ: جَمِيعَ سَيِّئَاتِكُمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية