الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ قَوْلُهُ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ قَعَدَ، فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَتَفْسِيرُ الْآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا 44 أَيْ: قَائِمِينَ، وَقُعُودًا قَاعِدِينَ، وَعَلَى جُنُوبِهِمْ مُضْطَجِعِينَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى قَدْرِ إِمْكَانِهِمْ فِي صِحَّتِهِمْ وَسَقَمِهِمْ. قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" . وَقَوْلُهُ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَدُلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَةِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَحِكْمَتِهِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا أَيْ: وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا الْخَلْقَ، بَاطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ، خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَى حِكْمَتِكَ وَكَمَالِ قُدْرَتِكَ. سُبْحَانَكَ تَنْزِيهًا لَكَ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي وَصْفِهِ، فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أَيْ: قَدِ اعْتَرَفْنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ، فَلَا تُعَذِّبْنَا بِالنَّارِ. قَوْلُهُ: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّكَ مَنْ تُخَلِّدْ فِي النَّارِ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ . قَالَ شَمِرُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ: فَضَحْتَهُ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: أَهْلَكْتَهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي عُمْرَةٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَخْزَاهُ حِينَ أَهْلَكَهُ بِالنَّارِ؟ ! إِنَّ دُونَ ذَلِكَ لَخِزْيًا. مَا لِلظَّالِمِينَ يُرِيدُ الْكَافِرِينَ، مِنْ أَنْصَارٍ أَعْوَانٍ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا الْمُنَادِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ عَنْ مُؤْمِنِي الْإِنْسِ كَيْفَ قَالُوا، وَعَنْ مُؤْمِنِي الْجِنَّةِ كَيْفَ قَالُوا، أَمَّا مُؤْمِنُو الْجِنَّةِ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ، وَأَمَّا مُؤْمِنُو الْإِنْسِ فَقَالُوا: إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: هُوَ كِتَابُ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ: يُنَادِي لِلْإِيمَانِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَذَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ: سَمِعْنَا مُنَادِيًا لِلْإِيمَانِ يُنَادِي أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا . وَقَوْلُهُ: وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا أَيْ: غَطِّهَا عَنَّا حَتَّى لَا نَرَاهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ لِأَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِالطَّاعَاتِ، كَتَكْفِيرِ الْحِنْثِ بِالصَّوْمِ، وَالظِّهَارِ بِالْإِعْتَاقِ، فَالْمَغْفِرَةُ بِفَضْلِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَالتَّكْفِيرُ بِسَبَبِ طَاعَةٍ. وَالسَّيِّئَاتُ: الْأَعْمَالُ الْقَبِيحَةُ، يُقَالُ: سَوَّأْتُ الرَّجُلَ فِعْلَهُ. أَيْ: قَبَّحْتُهُ عَلَيْهِ وَعِبْتُهُ بِمَا صَنَعَ. وَقَوْلُهُ: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَعْنَى: تَوَفَّنَا فِي جُمْلَتِهِمْ. قَوْلُهُ: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَلَى لِسَانِ رُسُلِكَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنْ يُنْجِزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ: لَا تَفْضَحْنَا وَلَا تُهِنَّا وَلَا تُهْلِكْنَا. قَوْلُهُ: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَيْ: دُعَاءَهُمْ. وَقَوْلُهُ: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ يَعْنِي: لَا يَضِيعُ لِأَحَدٍ عِنْدِي عَمَلٌ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أَيْ: حُكْمُ جَمِيعِكُمْ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِيمَا أَفْعَلُ بِكُمْ مِنْ مُجَازَاتِكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَتَرْكِ تَضْيِيعِهَا لَكُمْ. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ وَآذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَهَاجَرُوا مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلُوا وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُشَدَّدًا - لِتَكَرُّرِ الْقَتْلِ فِيهِمْ، وَالتَّخْفِيفُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَقَتَلُوا وَقَاتَلُوا وَهُوَ كَقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ; لِأَنَّ "الْوَاوَ" لَا تُوجِبُ تَرْتِيبًا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ . وَقَوْلُهُ: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ; لِأَنَّ مَعْنَى لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ: لَأُثِيبَنَّهُمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية