الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ قَوْلُهُ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ حُرُوثِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ نَصِيبًا وَلِلْأَوْثَانِ نَصِيبًا، فَمَا كَانَ لِلْأَوْثَانِ أُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَمَا كَانَ لِلَّهِ أُطْعِمَ الضِّيفَانَ وَالْمَسَاكِينَ وَلَا يَأْكُلُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْئًا، فَمَا سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ فِي نَصِيبِ الْأَوْثَانِ تَرَكُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا. وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ الْتَقَطُوهُ وَرَدُّوهُ إِلَى نَصِيبِ الصَّنَمِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ فَقِيرٌ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِمَّا خَلَقَ مِنَ الثَّمَرِ وَالْقَمْحِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمُ الْفَاسِدِ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا يَعْنِي: مَا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَالْآلِهَةُ كَانُوا شُرَكَاءَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا. قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ قَالَ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ: هُوَ أَنَّهُ إِذَا هَلَكَ الَّذِي لِأَوْثَانِهِمْ أَخَذُوا بَدَلَهُ مِمَّا لِلَّهِ، وَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا لِلَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ اسْتَعَانُوا بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ، وَوَفَّرُوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ يَعْنِي: مِنْ تَمَامِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ يَعْنِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُفْرِزُونَهُ لِلَّهِ وَيُسَمُّونَهُ نَصِيبًا لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلَّهِ مِنَ التَّمَامِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى آلِهَتِهِمْ. ثُمَّ ذَمَّ فِعْلَهُمْ فَقَالَ: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ بِئْسَ الْحُكْمُ حُكْمُهُمْ حَيْثُ صَرَفُوا مَا جَعَلُوا لِلَّهِ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّرِ إِلَى الْأَوْثَانِ. قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ أَيْ: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ قَالَ مُجَاهِدٌ: شُرَكَاؤُهُمْ شَيَاطِينُهُمْ أَمَرُوهُمْ بِأَنْ يَئِدُوا أَوْلَادَهُمْ خَشْيَةَ الْعَيْلَةِ. وَسُمِّيَتِ الشَّيَاطِينُ شُرَكَاءَ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأُضِيفَتِ الشُّرَكَاءُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: زُيِّنَ بِضَمِّ الزَّايِ، قَتْلُ رَفْعًا، أَوْلَادَهُمْ بِالنَّصْبِ- شُرَكَائِهِمْ بِالْجَرِّ عَلَى تَقْدِيرِ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكَائِهِمْ أَوْلَادَهُمْ، وَلَكِنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَهُوَ الْأَوْلَادُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ: مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَهُوَ قَبِيحٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ، كَمَا أَنْشَدَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشِيُّ: فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنًا زَجَّ الْقُلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ وَأُضِيفَ الْقَتْلُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى الشُّرَكَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّوْا ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا وَدَعَوْا إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: لِيُرْدُوهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ فِي النَّارِ. وَالْإِرْدَاءُ: الْإِهْلَاكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ . وَقَوْلُهُ: وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الشَّكَّ فِي دِينِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ إِسْمَاعِيلَ فَرَجَعُوا عَنْهُ بِلَبْسِ الشَّيَاطِينِ، وَتَزْيِينِهَا لَهُمُ الْقَبَائِحَ. ثُمَّ أَخَذَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فَعَلُوا كَانَ بِمَشِيئَتِهِ فَقَالَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ، ثُمَّ أَوْعَدَهُمْ: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ يَتَقَوَّلُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. قَوْلُهُ: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ الْحِجْرُ فِي اللُّغَةِ: الْحَرَامُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ حَرَّمُوا أَنْعَامًا وَحَرْثًا، وَجَعَلُوهُ لِأَصْنَامِهِمْ فَقَالُوا: لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ زَعْمٌ مِنْهُمْ، لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا بُرْهَانُ. وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا نَحْوَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْحَامِي وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا يَذْبَحُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ وَلَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ: لِلِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا يَعْنِي: أَجِنَّةَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ: مَا وُلِدَ مِنْهَا حَيَّا فَهُوَ خَالِصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَمَا وُلِدَ مَيِّتًا أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا يَعْنِي: النِّسَاءَ. وَإِنَّمَا قِيلَ: خَالِصَةٌ لِأَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ: مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَجِنَّةِ، فَجَاءَ تَأْنِيثُ خَالِصَةٌ لِتَأْنِيثِ مَعْنَى مَا، وَجَاءَ تَذْكِيرُ مُحَرَّمٌ عَلَى لَفْظِ مَا. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالْيَاءِ، مَيْتَةٌ - بِالرَّفْعِ - لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ: الْمَيِّتُ. وَالْمَيْتَةُ: تَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ كَالدَّابَّةِ وَالشَّاةِ. وَابْنُ عَامِرٍ يُلْحِقُ الْفِعْلَ عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ فِي اللَّفْظِ مُؤَنَّثَةٌ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ تَكُنْ بِالتَّاءِ، مَيْتَةً - بِالنَّصْبِ - عَلَى مَعْنَى: وَإِنْ تَكُنِ الْأَجِنَّةُ مَيْتَةً. وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ، مَيْتَةً - بِالنَّصْبِ - كَانَ التَّقْدِيرُ: وَإِنْ يَكُنْ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ مَيْتَةً، وَلَفْظُ مَا مُذَكَّرٌ. وَقَوْلُهُ: فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ يَعْنِي: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ: سَيَجْزِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى جَزَاءَ وَصْفِهِمُ الَّذِي هُوَ كَذِبٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَنَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . قَوْلُهُ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ يَعْنِي: الَّذِينَ كَانُوا يَدْفِنُونَ بَنَاتِهِمْ أَحْيَاءً. قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا صَنِيعُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ يَقْتُلُ بِنْتَهُ مَخَافَةَ السَّبْيِ عَلَيْهَا وَالْفَاقَةِ، وَيَغْذُو كَلْبَهُ. سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ أَيْ: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلسَّفَهِ وَالْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَاهُمْ فِي ذَلِكَ عِلْمٌ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ يَعْنِي: حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية