الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ قَوْلُهُ: وَإِلَى مَدْيَنَ وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ شُعَيْبًا وَهُوَ قَوْلُهُ: أَخَاهُمْ شُعَيْبًا وَهُوَ شُعَيْبُ بْنُ تَوْبَةَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَقَوْلُهُ: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قَالَ عَطَاءٌ: مَوْعِظَةٌ. فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ كَانُوا أَهْلَ كُفْرٍ بِاللَّهِ، وَبَخْسٍ لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، فَأَمَرَهُمْ شُعَيْبٌ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِتْمَامِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ يَعْنِي: مِنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا لَا تَعْمَلُوا فِيهَا بِالْمَعَاصِي، بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَهَا اللَّهُ بِالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ قَالَ الْكَلْبِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ: لَا تَقْعُدُوا عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ تُخَوِّفُونَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِشُعَيْبٍ. وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ قَالَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الطَّرِيقِ، فَيُخْبِرُونَ مَنْ يَأْتِي عَلَيْهِمْ أَنْ شُعَيْبًا كَذَّابٌ فَلَا يَفْتِنَنَّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ. وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا قَالَ مُجَاهِدٌ: تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَسْتَقِيمُونَ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُرِيدُ الِاعْوِجَاجَ وَالْعُدُولَ عَنِ الْقَصْدِ. وَقَوْلُهُ: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَثُرَ عَدَدُكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَزَوْجُهُ بِنْتُ لُوطٍ فَوَلَدَتْ، حَتَّى كَثُرَ عَدَدُ أَوْلَادِهَا. وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يَعْنِي: آخِرَ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ. وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا أَيْ: إِنِ اخْتَلَفْتُمْ فِي رِسَالَتِي فَصِرْتُمْ فَرِيقَيْنِ: مُكَذِّبِينَ، وَمُصَدِّقِينَ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا أَيْ: بِتَعْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ وَإِنِجَاءِ الْمُصَدِّقِينَ. وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ لِأَنَّهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ فَكَانَ مِنْ جَوَابِ قَوْمِهِ أَنْ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا وَلَا نُقَارُّكُمْ عَلَى مُخَالَفَتِنَا، فَقَالَ شُعَيْبٌ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ يَعْنِي: أَوَتُجْبِرُونَنَا عَلَى مِلَّتِكُمْ وَإِنْ كَرِهْنَا ذَلِكَ؟ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَقَالَ شُعَيْبٌ: بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا أَيْ: مِنْ مِلَّتِكُمْ إِنْ عُدْنَا فِيهَا كُنَّا مُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ، وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا أَيْ: مَا كُنَّا لِنَرْجِعَ فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ وَقَفْنَا عَلَى أَنَّهَا ضَلَالَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إِهْلَاكَنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ بِالطَّاعَةِ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ بِالْمَعْصِيَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ أَنْ نَعُودَ فِيهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ. عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا فِي كُلِّ أُمُورِنَا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: احْكُمْ وَاقْضِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَأَهْلُ عُمَانَ يُسَمُّونَ الْقَاضِيَ: الْفَاتِحَ لِأَنَّهُ يَفْتَحُ مَوَاضِعَ الْحَقِّ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى: أَظْهِرْ أَمْرَنَا، حَتَّى يَنْفَتِحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا وَيَنْكَشِفَ بِأَنْ تُنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالْهَلَكَةِ مَا يُظْهِرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا. وَمَا بَعْدَ هَذَا ظَاهِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَيْ: كَأَنْ لَمْ يُقِيمُوا فِي دَارِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا هُنَاكَ بَعْدَ الْإِهْلَاكِ، يُقَالُ: غَنِيَ الْقَوْمُ فِي مَكَانِهِمْ. إِذَا أَقَامُوا بِهِ، وَالْمَغْنَى الْمَنْزِلُ. وَقَوْلُهُ: فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ أَيْ: كَيْفَ يَشْتَدُّ حُزْنِي عَلَيْهِمْ إِذَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ؟ يُقَالُ: آسَيْتُ عَلَى الشَّيْءِ آسَى أَسًى. إِذَا اشْتَدَّ حُزْنُكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ، أَيْ: لَا آسَى عَلَيْهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية