الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ رُوِّينَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَازِلَةٌ فِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ يَأْمُرُهُمْ بِالْجِهَادِ وَأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، وَسَمَّى اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ صَادِقِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ: يُرِيدُ بِالصَّادِقِينَ مُحَمَّدًا وَالْأَنْبِيَاءَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى: عَلَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ. أَخْبَرَنَا أَحَمْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْوَرَّاقُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا، ثُمَّ لَا يُنْجِزَهُ لَهُ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ رُخْصَةً فِي الْكَذِبِ؟ وَقَوْلُهُ: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: مُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَأَسْلَمُ، وَأَشْجَعُ، وَغِفَارٌ. أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ يَغْزُوَهَا، وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْخَفْضِ وَالدَّعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرِّ وَالْمَشَقَّةِ، يُقَالُ: رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذَا الْأَمْرِ. أَيْ: تَرَفَّعْتُ عَنْهُ، ذَلِكَ أَيْ: ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ، بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَهُوَ شِدَّةُ الْعَطَشِ، وَلَا نَصَبٌ إِعْيَاءٌ وَتَعَبٌ، وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَجَاعَةٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَقِفُونَ مَوْقِفًا وَلَا يَضَعُونَ قَدَمًا فِي مَوْضِعٍ يُغْضِبُ الْكُفَّارُ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أَسْرًا وَقَتْلًا وَهَزِيمَةً، قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ قُرْبَى لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: فِي الْآيَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ طَاعَةً كَانَ قِيَامُهُ وَقُعُودُهُ وَنَصَبُهُ وَمَشْيُهُ وَحَرَكَاتُهُ كُلُّهَا حَسَنَاتٍ مَكْتُوبَةً لَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَمَا أَعْظَمَ بَرَكَةَ الطَّاعَةِ وَمَا أَعْظَمَ شُؤْمَ الْمَعْصِيَةِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَمْرَةً فَمَا فَوْقَهَا. وَلَا يَقْطَعُونَ وَلَا يُجَاوِزُونَ وَادِيًا فِي مَسِيرِهِمْ مُقْبِلِينَ وَلَا مُدْبِرِينَ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ آثَارُهُمْ وَخُطَاهُمْ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ أَيْ: بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا عَيَّبَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: وَاللَّهِ لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ سَرِيَّةٍ أَبَدًا. فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّرَايَةِ إِلَى الْعَدُوِّ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا إِلَى الْغَزْوِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَذَا نَفْيٌ مَعْنَاهُ: النَّهْيُ لَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الْعَدُوِّ جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ أَيْ: فَهَلَّا خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ جَمَاعَةٌ، وَيَبْقَى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يَعْنِي: الْفِرْقَةَ الْقَاعِدِينَ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ، فَإِذَا رَجَعَتِ السَّرَايَا وَقَدْ نَزَلَ بَعْدَهُمْ قُرْآنٌ وَتَعَلَّمَهُ الْقَاعِدُونَ قَالُوا لَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ بَعْدَكُمْ عَلَى نَبِيِّكُمْ قُرْآنًا، وَقَدْ تَعَلَّمْنَاهُ فَتَتَعَلَّمُهُ السَّرَايَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ أَيْ: وَلِيُعْلِمُوهُمْ بِالْقُرْآنِ وَيُخَوِّفُوهُمْ بِهِ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فَلَا يَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية