الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. طَهَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: يَا رَجُلُ، يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَالْكَلْبِيِّ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: هِيَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَبِالنَّبَطِيَّةِ، وَالسُّرْيَانِيَّةِ. وَيَقُولُ الْكَلْبِيُّ: هِيَ بِلُغَةِ عَكٍّ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَلُغَةُ قُرَيْشٍ وَافَقَتْ تِلْكَ اللُّغَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخَاطِبْ نَبِيَّهُ بِلِسَانِ غَيْرِ قُرَيْشٍ. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى لِتَتْعَبَ وَتَبْلُغَ مِنَ الْجَهْدِ مَا بَلَغْتَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِمَكَّةَ اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ، يُرَاوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِطُولِ قِيَامِهِ، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ لِيَتْعَبَ كُلَّ ذَلِكَ التَّعَبِ. إِلَّا تَذْكِرَةً قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَكِنْ تَذْكِرَةً. أَيْ: لَكِنْ أَنْزَلْنَاهُ، أَيْ: لِتُذَكِّرَ بِهِ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَالتَّذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كَالتَّذْكِيرِ. تَنْزِيلًا أَيْ: نَزَّلْنَاهُ، تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَ بِعَظَمَتِهِ. الرَّحْمَنُ مَرْفُوعٌ عَلَى خَبَرِ ابْتِدَاءٍ مُضْمَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: مِمَّنْ خَلَقَ بَيَّنَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ الرَّحْمَنُ. عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى أَيْ: أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِهِ، وَقَصَدَ إِلَى ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَرُوضِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ، أَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْمُنْذِرِي، قَالَ: سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِوَاءُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ بَاطِلٌ فَاسِدٌ. قَوْلُهُ: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَيْ أَنَّهُ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُدَبِّرُهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا يَعْنِي الْهَوَاءَ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى هُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ، قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَا وَارَى الثَّرَى مِنْ شَيْءٍ. وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: أَرَادَ الَّذِي تَحْتَ الصَّخْرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الثَّوْرُ الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الثَّرَى إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أَيْ: تُرَجِّعْ صَوْتَكَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى أَيْ: فَلَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، فَإِنَّكَ وَإِنْ لَمْ تَجْهَرْ، عَلِمَ اللَّهُ السِّرَّ وَأَخْفَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: السِّرُّ مَا أَسْرَرْتَ فِي نَفْسِكَ وَأَخْفَى، مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ مِمَّا يَكُونُ فِي غَدٍ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمَا سَوَاءٌ. وَالتَّقْدِيرُ وَأَخْفَى مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِكَ: فُلَانٌ كَالْفِيلِ، أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَيْ: لَا مَعْبُودَ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يَعْنِي: التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْخَبَرُ، وَالْحُسْنَى تَأْنِيثُ الْأَحْسَنِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية