الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إِذَا كَانَ عَمْدًا، وَذَلِكَ أَنَّ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ قَتْلَى وَجَرْحَى، حَتَّى قُتِلَ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ الْأَمْوَالَ حَتَّى أَسْلَمُوا، وَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ لَهُ طَوْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعَدَدِ وَالْأَمْوَالِ، فَحَلَفُوا أَلَّا نَرْضَى حَتَّى يُقْتَلَ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرُّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلُ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ، فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الدِّمَاءِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ فَرَضُوا، فَصَارَتْ مَنْسُوخَةً نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَكَتَبْنَا فِيمَا قَضَيْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، يَعْنِي النَّفْسَ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ بِالنَّفْسِ، الْمُسْلِمِ الْحُرِّ، وَالْمُسْلِمَةَ الْحُرَّةَ بِالْمُسْلِمَةِ الْحُرَّةِ، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إِذَا كَانَ عَمْدًا إِذَا عَفَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَنْ أَخِيهِ الْقَاتِلِ وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، يَعْنِي الطَّالِبَ لِيَطْلُبْ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَطْلُوبِ: وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، يَقُولُ: لِيُؤَدِّي الدِّيَةَ إِلَى الطَّالِبِ عَفْوًا فِي غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلَا أَذًى، ذَلِكَ الْعَفْوُ وَالدِّيَةُ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِذْ جَعَلَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْعَفْوَ وَالدِّيَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَرَحْمَةٌ ، يَعْنِي وَتَرَاحَمُوا، وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَا يُقْبَلَ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَحَكَمَ عَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوَ، وَلَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِالْقِصَاصِ، وَلَا يَأْخُذُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ. ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّخْفِيفَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ شَاءَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ قَتَلَ الْقَاتِلَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ الدِّيَةَ، فَكَانَ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنْ يَقْتُلَ قَاتِلَ الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ فَرَخَّصَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَعْرَافِ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ، وَهُمْ أَنْ يُقْتَلَ قَاتِلُ الْعَمْدِ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يَعْنِي وَجِيعٌ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةٌ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا عَفْوَ عَمَّنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا ". ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ، يَعْنِي بَقَاءً يَحْجِزُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ، يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ أَوْ عَقْلٌ، فَذَكَرَ الْقِصَاصَ، فَيَحْجِزُهُ الْخَوْفُ عَنِ الْقَتْلِ، لَعَلَّكُمْ ، يَعْنِي لِكَيْ تَتَّقُونَ الدِّمَاءَ مَخَافَةَ الْقِصَاصِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية